الأصل الذي تبنى عليه أحكام السفر والمتعلقة بالصيام هو النص في الآية وأفعال الرسول ﷺ وصحابته بين يديه سفرا. والإجماع والعرف.
أما النص من القرآن فهو: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤].
أما النص من السنة فكثيرة بالغ حد التواتر، فمنها ما رويناه من طريق البخاري، عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: ﴿كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لرجل: انزل فاجدح لي قال: يا رسول الله، الشمس؟ قال: انزل فاجدح لي، قال: يا رسول الله، الشمس؟ قال: انزل فاجدح لي، فنزل فجدح له فشرب، ثم رمى بيده هاهنا، ثم قال: إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم﴾ (^٢).
تابعه جرير وأبو بكر بن عياش، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، عن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ: ﴿أن حمزة بن
_________________
(١) وقد حصل في وباء كورونا مثل هذا حيث استفتيت بجواز الفطر لمن خاف إصابته بمرض كورنا نظرًا لأن الفيروس يعلق بالحلق الجاف. فأجبت بعدم الجواز، أولا: لأن التقرير لم يأت به خبر من جهات طبية ثقات مسلمة. ثانيا: لأن مجرد الخوف ليس مرضًا. ثم تتابعت الفتاوى من الأزهر والمجامع الفقهية على هذا.
(٢) صحيح البخاري (٣/ ٣٣ ط السلطانية).
[ ١٣٤ ]
عمرو الأسلمي، قال للنبي ﷺ: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر﴾ (^١).
عن ابن عباس ﵄: ﴿أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس﴾. قال أبو عبد الله: والكديد ماء بين عسفان وقديد (^٢).
عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ﴿خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة﴾ (^٣).
عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: ﴿كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: ما هذا، فقالوا: صائم فقال: ليس من البر الصوم في السفر﴾ (^٤).
وقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال:
﴿كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم﴾ (^٥)، وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء، فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان. فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر﴾ (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٣٣ ط السلطانية).
(٢) صحيح البخاري (٣/ ٣٤ ط السلطانية).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ٣٤ ط السلطانية).
(٤) صحيح البخاري (٣/ ٣٤ ط السلطانية).
(٥) صحيح البخاري (٣/ ٣٤ ط السلطانية).
(٦) صحيح البخاري (٣/ ٣٤ ط السلطانية).
[ ١٣٥ ]
فهذه النصوص النبوية تبين جواز الفطر في السفر ويتعلق به مسألة الأفضلية وستأتي.
أما من دليل الإجماع: فأجمعوا على أن المسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة أن له أن يفطر في السفر إن أهل عليه الشهر في السفر، أو طلع عليه الفجر مسافرًا. (^١).
واتفقوا أن من أفطر في سفر، أو مرض فعليه قضاء أيام عدد ما أفطر ما لم يأت عليه رمضان آخر واختلفوا في وجوب قضائه إذا أتى عليه رمضان آخر (^٢)
أما العرف: فهو في إطلاق السفر على ماذا يكون.
تقدير آية السفر:
أما النص في الآية فتقديره، أو على سفر (فأفطر) فعدة من أيام أخر.
وهذا التقدير هو ما فهمه أهل اللسان من الصحابة بين يدي النبي ﷺ، فكان منهم المفطر وكان منهم الصائم في السفر، وهذا يبين أن هذا التقدير قاطع، وإلا لما فعله الصحابة أهل اللسان مع إقرارا الشرع لهم على ذلك.
ولو كان الفرض هو الفطر وإلغاء التقدير لفهمه الصحابة، أو بعضهم، أو جرى فيه خلاف راجع إلى اللسان العربي في فهم النص.
لكن لم يكن من ذلك شيء مما يدل على أن التقدير قاطع وأن هذا كالملفوظ في لسان العرب.
وزعم ابن حزم أن فرض المسافر الإفطار.
ولا تقدير في الآية؛ بل حملها على ظاهرها، وهذا باطل بفعل الصحابة وإقرار النبي ﷺ، والظاهرية إن تعاملت مع اللغة هكذا أبطلت ما هو معقول من لسان العرب.
_________________
(١) الإقناع في مسائل الإجماع ت الصعيدي (١/ ٢٣٠).
(٢) مراتب الإجماع (ص ٤٠).
[ ١٣٦ ]
وقد استدل ابن حزم على مذهبه بما أخرجه مسلم: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ ﴿أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ. فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ. فَصَامَ النَّاسُ. ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ. حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ. ثُمَّ شَرِبَ. فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: " أُولَئِكَ الْعُصَاةُ. أُولَئِكَ الْعُصَاةُ "﴾ (^١)
فسماهم العصاة، وهذا دليل على منع الصوم في السفر.
كما استدل بحديث ﴿ليس من البر الصيام في السفر﴾. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁. قَالَ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سفره. فَرَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَقَدْ ضلل عليه. فقال: "ماله؟ " قالوا: رجل صائم. فقال رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تصوموا في السفر"﴾ (^٢).
وادعى أن هذه الأدلة ناقلة عن الأصل فهي ناسخة.
وجوابه إن كانت دعوى النسخ هي ما حركته أن يلغي تقدير الآية فباطل؛ لأن الانتقال إلى دعوى النسخ دليل على ثبوت التقدير قطعيا في الآية بفعل الصحابة السابق الكثير بين يديه ﷺ؛ بل بفعل النبي نفسه؛ لأنه ثبت عنه الصيام في السفر بالأدلة الصحيحة المستفيضة. إذا تبين هذه فدعوى النسخ لا تكون إلا بحجة ولا حجة فيما ادعاه وإنما قال العصاة لمن امتنعوا من الفطر مع أمره به لعلة مواجهة العدو. كما في النص.
وأما حديث ﴿لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تصوموا في السفر﴾، ففي رجل طاعن في السن أرهقه الصوم في السفر فترتب عليه ضرر بين حتى اجتمعوا عليه وقد ظلل. فيكون الخطاب له ولمن في حالته لا في كل حالة، وإلا لزم أن يقر الصحابة على غير البر.
_________________
(١) صحيح مسلم (٢/ ٧٨٥ ت عبد الباقي).
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٧٨٦ ت عبد الباقي).
[ ١٣٧ ]
ويرد مذهبه صراحة حديث أبي سعيد في مسلم أنه صاموا بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر ﴿حدثني قزعة. قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وهو مكسور عليه. فلما تفرق الناس عنه، قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه. سألته عن الصوم في السفر؟ فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلا. فقال رسول الله ﷺ: "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم". فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر. فقال: "إنكم مصبحوا عدوكم. والفطر أقوى لكم، فأفطروا" وكانت عزمة. فأفطرنا. ثم قال: رأيتنا نصوم، مع رسول الله ﷺ بعد ذلك، في السفر﴾ (^١).