هذه المسألة مبنية على أصل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي حضر، وعلى الاستثناء منه وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وراجعة إلى تحقيق المناط الشرعي في وصف المسافر متى يكون مسافرًا.
وهل إذا طرأ الوصف الشرعي اقتضى العمل بالرخصة أم لا؟
ولهذه المسألة ثلاث صور:
الأولى: من أدركه رمضان في السفر فهذا لا خلاف في الترخص له (^١)؛ لأنه لم يشهد رمضان فلم
يدخل في النص وشمله الاستثناء: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
الثانية: من سافر ليلًا فأدركه نهار رمضان وقد خرج فهذا لا خلاف كذلك في جواز فطره إلا ما روى عن أبي مجلز وأبي عبيدة السلماني وسويد بن غفلة (^٢)، وحجتهم ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا شاهد.
وجوابه أن معنى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي كله، أو بعضه فليصمه أي ليصم ذلك الذي شهده بعضا، أو كلا فيشمله هذا النص ومفهومه. ويشمله
_________________
(١) المغني لابن قدامة ت التركي (٤/ ٣٤٥).
(٢) المغني لابن قدامة ت التركي (٤/ ٣٤٥).
[ ١٣٩ ]
الرخصة في ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لأن الإطلاق لم يقيد بشيء كمل يدل لهذا فعله ﷺ، فعن ابن عباس، قال: ﴿خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأفطر الناس﴾. متفق عليه.
الثالثة: من سافر أثناء النهار صائما فهل يجوز له الإفطار.
فهذا حضر بعض يوم وسافر في بعضه فقد طرأت عليه الرخصة كالمريض إذا مرض في نهار رمضان فإنه يفطر بلا خلاف فهل كذلك المسافر أم له حكم خاص به؟.
وهذه المسألة راجعة إلى أصلين:
الأول: تحقيق مناط الوصف الشرعي على الواقع.
والثاني: تعارض الأصول؛ لأن الأصل أن طروء الوصف الشرعي يستتبع الرخصة.
فمن صار مريضًا ترخص ومن صار مسافرا ترخص ومن حاضت ترخصت.
هذا هو القانون الأصلي. فإن عارضه أصل بقاء التكليف قبل طروء العذر فلا يجعل معارضا؛ لأن محله قبل طروء العذر، وعلى تحقيق هذين الأصلين جرى كلام العلماء على مذهبين.
الأول: أنه يفطر كالشخص الذي طرأ عليه المرض فجاز له الفطر ذهب إليه الحنابلة، والشعبى، وإسحاق، وداود، وابن المنذر (^١). ولأنه سمي مسافرًا وقد أطلق الشرع النص بلا تفصيل، فعم كل الصور فإخراج صورة منه يحتاج إلى دليل، خاصة وأن نظيره وهو المرض مجمع على عمومه كل الصور.
_________________
(١) المغني لابن قدامة ت التركي (٤/ ٣٤٥).
[ ١٤٠ ]
الثاني: أنه لا يفطر قال به جماعة من العلماء وهم مكحول، والزهري، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، والحنفية ومالك، والشافعي. (^١)
وطريق النظر عندهم أنهم قالوا بأن المسافر تعارض في حقة الحظر والإباحة فغلب الحظر وكذلك تعارض حكم السفر وحكم الحضر فغلب الحضر.
والجواب أن المريض كذلك تعارض له الحظر في أول النهار مع الإباحة عند طروء المرض ومع ذلك أجمعوا على الرخصة له.
كما أن تعارض حكم الحضر والسفر قاعدة مستنبطة لم يجمع عليها وليست دليلا فكيف تعارض ظاهر عموم الدليل وإطلاقه. فالقواعد أدنى مرتبة من دلالات النصوص فلا تتقدم عليها، أو تعارض بها كما هو معلوم في باب الموازنات والترتيب بين الأدلة.
كما أنه قد ثبت ما روى عبيد بن جبير، قال: (ركبت مع أبى بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ؟ فأكل). رواه أبو داود قلت في سنده كليب بن ذهل قال الحافظ مقبول وذكره بن حبان في الثقات وقال الذهبي وثق عن عبيد بن جبير وتفرد العجلي فقال "مصري تابعي ثقة" (^٢)، وذكره الفسوي في الثقات (^٣)، قلت: مثل هذا لا يقل عن الحسن.
_________________
(١) حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي (٢/ ١٢١)، كشاف القناع (٣/ ٢٦٨ ط وزارة العدل). مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ١٣٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٣٦٠). المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص ١٦٧). المغني لابن قدامة ت التركي (٤/ ٣٤٧).
(٢) الثقات للعجلي ت البستوي (٢/ ١١٦).
(٣) المعرفة والتاريخ - ت العمري - ط العراق (٢/ ٤٩٢).
[ ١٤١ ]
وهو دليل على الأصل أن الصائم إن سافر أفطر والقول بغيره لا حجة بينة عليه.
قال ابن المنذر: قول أحمد صحيح؛ لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحًا ثم اعتل: إنه يفطر بقية يومه، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر (^١).
وقد ثبت عند الدارقطني قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا العباس بن محمد، ومحمد بن أحمد بن الجنيد، قالا: نا روح، ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال لي أبو موسى: «ألم أنبأ أنك إذا خرجت خرجت صائما وإذا دخلت دخلت صائما، فإذا خرجت فاخرج مفطرا وإذا دخلت فادخل مفطرا». (^٢). قال الحافظ «كلهم ثقات»
قلت يشهد له ما أخرجه في سنن أبي داود بسند حسن، عن منصور الكلبي، أن دحية بن خليفه خرج من قريه من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك (^٣).
منصور الكلبي لم أجد فيه كلاما سوى قول العجلي: قال العجلي: منصور الكلبي مصري تابعي ثقة، العجلي (^٤).
قال أبو عمر رادا على المنع: وليس هذا بشيء،؛ لأن الله -سبحانه- قد
_________________
(١) تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٧٩).
(٢) سنن الدارقطني (٣/ ١٦١). إتحاف المهرة لابن حجر (١٠/ ١٠) وقال الألباني بإسناد صحيح على شرط الستة، تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفرة بعد الفجر (ص ٤٢)
(٣) سنن أبي داود (٤/ ٨٤ ت الأرنؤوط).
(٤) الثقات للعجلي ت قلعجي (ص ٤٤١) [تهذيب الكمال (٢٨/ ٥٢٨)].
[ ١٤٢ ]
أباح له الفطر في الكتاب والسنة. وأما قولهم لا يفطر فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله ولا رسوله ﷺ. وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة: يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرًا، وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق (^١).