صرح بذلك ابن أبي ليلى عن الصحابة قال البخاري: وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد ﷺ نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأمروا بالصوم (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٣٤ ط السلطانية).
[ ١٥٢ ]
وبالنسخ قال ابن عمر كما أخرجه البخاري، قال حدثنا عياش: حدثنا عبد الأعلى: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: ﴿قرأ: ﴿فدية طعام مساكين﴾ قال: هي منسوخة (^١)
ومثله أو أصرح منه: ﴿عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها"﴾ (^٢).
وفي رواية لمسلم: ﴿كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ، من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين﴾، حتى أنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فهذه الرواية صريحة وأنها كانت أول الأمر، ثم نسخت، ومن علم حجة على من لا يعلم.
قال الحافظ: "قوله في حديث بن الأكوع لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] فدية إلخ، هذا أيضًا صريح في دعوى النسخ، وأصرح منه ما تقدم من حديث بن أبي ليلى" (^٣).
فالنقل الصريح عن الصحابة أنها كانت في أول الأمر رخصة للقادر على الصيام أن يفطر ويطعم، أما العاجز فلم يذكر أصلًا؛ لأنه لا تكليف عليه. فكيف يقال إن العاجز كان يفدي، وهو أصلًا غير داخل في خطاب التكليف؟ إنما كان التخيير للقادر على الصيام.
يدل لهذا تصريح ابن عباس بسند صحيح في السنن والمنتقى: «عن ابن عباس، ﵄ قال: رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٣٤ ط السلطانية).
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٨٠٢).
(٣) فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٨١). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٣/ ٣٤٩)
[ ١٥٣ ]
يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا أو يطعما كل يوم مسكينا ولا قضاء عليهما ثم نسخ ذلك في هذه الآية ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين». (^١)
واتفقت الروايات على النسخ؛ لأن رواية ابن عمر وابن أبي ليلى صرحت بذلك ورواية ابن عباس قال الخطابي: "مذهب ابن عباس في هذا أن الرخصة مثبتة للحبلى والمرضع، وقد نسخت في الشيخ الذي يطيق الصوم فليس له أن يفطر ويفدي" (^٢).
وبهذا يتبين عدم التعارض وأن النسخ متفق عليه في الروايات.
ولا يشكل عليه ما جاء عن ابن عباس صراحة بعدم نسخها (^٣)، وصراحة بنسخها (^٤) وبقاء حكم العاجز، والجمع بينهما أن النسخ كان على الشيخ
_________________
(١) المنتقى - ابن الجارود (ص ١٠٣ ط الثقافية)
(٢) معالم السنن (٢/ ٩٢). وانظر: المحلى بالآثار (٤/ ٤١٠).
(٣) مصنف عبد الرزاق (٤/ ٥١٥ ط التأصيل الثانية). • [٧٨٠٨] عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عن ابن سيرين، أن ابن عباس قال في هذه الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]: لم تنسخها آية أخرى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. • [٧٨٠٩] عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال: سمعت عكرمة يحدث، عن ابن عباس، أنها ليست بمنسوخة، وكان يقرؤها: (يطوقونه) [البقرة: ١٨٤]، هي في الشيخ الذي كلف الصيام، ولا يطيقه، فيفطر ويطعم
(٤) الخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه ت النحال (٥/ ٥٨). "عن ابن عباس قال: رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم؛ أن يفطرا إن شاءا أو يطعما مكان كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك من هذه الآية: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينا.
[ ١٥٤ ]
الكبير القادر على الصيام، أما الشيخ الكبير الذي لا يقدر وكذلك الحامل والمرضع فيطعمان.
وهذا ما دلت عليه رواية البيهقي.
ويبقى من أين استنبط ابن عباس بقاء حكم العاجز غير القادر والمرضع والحامل؛ لأن النص لا يدل عليه دلالة لغوية حتى على قراءة يطوقونه أي: يتجشمونه، كما فسرها ابن عباس.
لأن هذه القراءة دليل أنها كانت على من استطاع الصيام، لكن بمشقة والكبير الذي لا يقدر على الصيام أصلًا غير داخل في هذا.
وليس هناك دليل أن ابن عباس أخذ ذلك من رسول الله ﷺ؛ بل هو اجتهاد منه.
وفي مثل هذا الاختلاف مع عدم النقل، ولا الإجماع على المجتهد أن يرجع إلى الأصول والمحكمات لبيان النص والبناء عليه هو المسلك البين.