وثم مسألة أخرى:
هي: من عزم على الخروج للسفر فهل يسمى مسافرًا ولا يزال في بيته، أم لا بد من الخروج؟
الثاني هو الأصح؛ لذلك لا يقصر الصلاة حتى يخرج، وهو مذهب الكافة من المذاهب والعلماء.
وروي عن عطاء والحسن: أنه يفطر من بيته.
ويدل لهذا القول ما في الترمذي: عن محمد بن كعب، أنه قال: (أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب.) قال الترمذي هذا حديث حسن، ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير هو مديني ثقة، وهو أخو إسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح والد علي بن عبد الله المديني، وكان يحيى بن معين يضعفه وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة، أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (^١).
قلت: هذا حديث فيه ضعف من جهة الرواية ومن جهة الدراية، أما الرواية: فهو لضعف والد ابن المديني، فمثله لا تقوم به حجة إلا أن الطريق الأخرى تصححه، وأما الدراية: فلأن مثل هذا لا يمكن أن يعدل عن الأصول استدلالا به؛ لأن العدول عن الأصول لا يكون إلا بحجة ثابتة تزحزح عنها، والأصول هنا لا يسمى مسافرًا في اللغة والعرف إلا من خرج من عمران بلده وقد خالفه ابن عمر من الصحابة، قال أبو داود: حدثنا
_________________
(١) سنن الترمذي (٣/ ١٥٤ ت شاكر).
[ ١٤٩ ]
مسدد، حدثنا المعتمر، عن عبيد الله، عن نافع أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يقصر (^١)، وهو صحيح موقوف هذا مع شدة متابعة ابن عمر للنبي ﷺ.
ولكن مع هذا إن لم يطعن في الخبر أئمة الشأن فهو بين الدلالة، ثم اطلعت على علة قادحة أعله به أبو حاتم، حاصلها: ورود رواية أصح وأوثق وفيها ليس سنة، فهذا قادح لا تقوم معه حجة.
ففي العلل: وسألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، فوجده قد رحلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلنا: أسنة؟ قال: ليس بسنة.
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن ابن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك … فذكر الحديث قال: فقلت: سنة؟ فقال: نعم، سنة.
قال أبي: حديث الدراوردي أصح. (^٢)
_________________
(١) سنن أبي داود (٤/ ٨٥ ت الأرنؤوط).
(٢) العلل لابن أبي حاتم (٣/ ٧٣ ت الحميد). قال ابن قدامة: "وقال الحسن: يفطر في بيته، إن شاء، يوم يريد أن يخرج. وروى نحوه عن عطاء. قال ابن عبد البر: قول الحسن قول شاذ، وليس الفطر لأحد في الحضر في نظر ولا أثر. وقد روى عن الحسن خلافه. وقد روى محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو= =يريد السفر، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة. ثم ركب. قال الترمذى (١٢). هذا حديث حسن. ولنا، قول الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة. فأما أنس فيحتمل أنه قد كان برز من البلد خارجا منه، فأتاه محمد ابن كعب في منزله ذلك المغني لابن قدامة (٤/ ٣٤٧ ت التركي).
[ ١٥٠ ]
المسألة السادسة: الخروج إلى الصالة الداخلية من المطار
وفي عصرنا لا يسمى مسافرًا حتى يخرج من المدينة ولو كانت مساحتها كبيرة هذا إن سافر برًا، أما سفر البحر فركوبه السفينة، وأما الجو فإن وصل إلى الصالة الداخلية بعد تمام الإجراءات وختم الجوازات فهذا مسافر له أن يترخص.