الأصول الحاكمة لهذه المسألة الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] وسؤال الدلالة هنا أن ننظر في تحقيق المناط وهو اسم السفر متى يتحقق.
والأصل الآخر ضبط ذلك بالعرف؛ لأن العادة محكمة.
والأصل الثالث أن الفتوى تتغير بتغير العادات والأعراف.
ومن خلال هذه الأصول انطلق الدرس الفقهي في المذاهب الأربعة، والظاهرية.
أما الأربعة فقد اتفقوا في الجملة على أنه لا يأخذ برخص السفر إلا بعد مجاوزة العمران، ثم اختلفوا نوعا ما في تفاصيل ذلك؛ نظرا لاختلاف الأعراف بين البلدان.
وأبرز ما اتفقوا عليه هو مجاوزة العمران وما يتبعه عرفًا ولو تعددت القرى واتصل بناؤها، أو كانت تابعة عرفًا والتبعية تضبط عند كل فريق بما يقضي عرفه.
وأبرز ما اختلفوا فيه نظرا لاختلاف عرف كل منهم: الاختلاف في تبعية
_________________
(١) تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٧٩).
[ ١٤٣ ]
البساتين والمزارع فإن قلنا تابعة اشترط مجاوزتها للمسافر ليترخص، وعلى هذا انقسموا إلى فريقين:
فالمالكية (^١)، والحنابلة (^٢) جعلوا البساتين والمزارع تابعة، ومعنى التبع
_________________
(١) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ١٣٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٣٦٠)، قال المواق: "إن عدى البلدي البساتين المسكونة"، التاج والإكليل لمختصر خليل (٢/ ٤٩٢). من المدونة قال مالك: "من أراد سفرا فليتم الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية حتى لا يحاذيه، أو يواجهه منها شيء وكذلك في البحرثم يقصر". ومن المدونة: إن برز مكي لذي طوى مسافرا أتم حتى يسير؛ لأنها من مكة. ابن بشير: إن سافر من بمصر من الأمصار لا بناء حوله ولا بساتين فالمشهور أنه يقصر بمفارقة السور، وإن كان حول المصر بناءات معمورة وبساتين فإن اتصلت به وكانت في حكمه فلا يقصر حتى يجاوزها، وإن لم تتصل به وكانت قائمة بنفسها قصر، وإن لم يجاوزها، وإن كان الموضع المرتحل عنه قرية لا تقام فيها الجمعة ولا بناءات متصلة بها ولا بساتين قصر إذا جاوز بيوت القرية بلا خلاف. وفي نوازل ابن الحاج: من خرج مسافرا من قرطبة فوصل إلى البرتال، أو إلى مينة، أو إلى عين شهدة قصر ولا يراعي أن يكون البساتين عن يمينه وشماله (وتؤولت أيضا على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة) أبو عمر: قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وأهل الحديث - وهو رواية ابن القاسم عن مالك - أنه لا يقصر حتى يجاوز البيوت وهو قوله في موطئه وهو الصحيح من مذهبه. وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن كنانة عن مالك أنه إذا كانت القرية مما تجمع فيها الجمعة فلا يقصر الخارج عنها حتى يجاوز ثلاثة أميال انتهى. على نصه وسياقه. والذي لابن عرفة من المدونة: يتم المسافر حتى يبرز عن قريته فيقصر. ابن حبيب: وينقطع عن بيوتها انقطاعا بينا وروى الأخوان بمجاوزة ذات الجمعة بثلاثة أميال انتهى. فانظر أنت ما معنى قوله: "وتؤولت".
(٢) كشاف القناع (٣/ ٢٦٨ ط وزارة العدل). "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ١٨٠). "إذا فارق خيام قومه أو بيوت قريته العامرة: سواء كانت داخل السور أو خارجه بما =
[ ١٤٤ ]
كونها متصلة اتصالًا حقيقيًا،
أو حكميًا والحكمي هو كونها مسكونة ولو بعض العام وأهلها يرتفقون من القرى بخدمات الطبخ والنار والماء ونحو ذلك، هذا عند المالكية، وهو قريب من الحنابلة فإنهم قالوا بأن تسكن ولو بعض العام.
فالإمام مالك اعتبر البساتين المتصلة تابعة والبساتين المنفصلة غير تابعة فلا عبرة بها، ولعل ذلك راجع إلى واقعه في المدينة المنورة وهي أرض بساتين فضبط الأمر بذلك.
بينما نجد الشافعي يقسم البلاد إلى ما له سور، أو شبهه، فهذا كل ما داخل السور يشترط مجاوزته أيا كان أما العمران الذي لا سور له، فيشترط مجاوزة العمران فقط، ولا يشرط مجاوزة البساتين ولا المزارع على المعتمد سواء كانت متصلة أم منفصلة؛ لأنها لا تتخذ للإقامة، وتجد الشافعي يذكر النهر ويجعله تابعا فعلى المسافر أن يتجاوزه ولو كان كبيرا ولعل ذلك راجع إلى الطبيعة المصرية التي خرج فيها فقه مذهبه الجديد (^١).
_________________
(١) = يقع عليه اسم المفارقة بنوع من البعد عرفا لا الخراب إن لم يله عامر فإن وليه أعتبر مفارقة الجميع: كما لو جعل مزارع وبساتين يسكنه أهله ولو في فصل النزهة ولو برزوا لمكان لقصد لاجتماع ثم بعد اجتماعهم ينشئون السفر من ذلك المكان فلهم القصر قبل مفارقته في ظاهر كلامهم خلافا لأبي المعالي ويعتبر في سكان قصور وبساتين ونحوهم مفارقة ما نسبوا إليه عرفا وإلا يرجع إلى وطنه ولا ينويه قريبا فإن رجع لم يترخص حتى يفارقه ثانيا ولو لم ينو الرجوع لكن بداله لحاجة لم يترخص في رجوعه بعد نية عودة حتى يفارقه أيضا: إلا أن يكون رجوعه سفرا طويل والمعتبر نية المسافة لا وجود حقيقتها فمن نوى ذلك قصر.
(٢) المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص ١٦٧). "فصل: "فيما يتحقق به السفر"، وأول السفر الخروج من السور في المسورة، ومن العمران مع ركوب السفينة فيما لا سور له، ومجاوزة الحلة، وينتهي سفره بوصوله سور وطنه أو عمرانه إن كان غير مسور، وبنية الرجوع إلى وطنه، وبوصول موضع نوى الإقامة فيه مطلقًا أو أربعة أيام صحيحة، أو لحاجة لا تنقضي إلا في المدة المذكورة، وإن كان يتوقع قضاءها كل وقت ترخص إلى ثمانية عشر يومًا. =
[ ١٤٥ ]
بينما الحنفية يوافقون الشافعية على عدم اعتبار البساتين، لكن لهم
_________________
(١) = قال ابن حجر الهيتمي معلقا "و" السفر "الطويل يومان" أو ليلتان أو يوم وليلة "معتدلان" أي مسيرهما ذهابًا مع المعتاد من النزول والاستراحة والأكل ونحوها وذلك مرحلتان "بسير الأثقال" ودبيب الأقدام وهي بالبرد أربعة= =وبالفراسخ ستة عشر وبالأميال ثمانية وأربعون ميلا والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعًا والأصبع ست شعيرات معتدلات معترضات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون، والمسافة في البحر كالبر ولو قطعها فيه أو في البر في لحظة ترخص، ولو شك في طول سفره اجتهد فإن ظهر له أن القدر المعتبر قطع ترخص وإلا فلا. "والإتمام" للصلاة في مرحلتين أو أكثر "أفضل" من القصر "إلا في ثلاث مراحل" فالقصر أفضل خروجًا من قول أبي حنيفة ﵁: وجوب الإتمام في الأول والقصر في الثاني، نعم الأولى لملاح وهو من له دخل في تسيير السفينة إذا كان معه أهله فيها ولمن لم يزل مسافرًا بلا وطن الإتمام مطلقًا لأن أحمد ﵁ يوجبه عليه. "و" إلا "لمن" يقتدي به أو "وجد في نفسه كراهة القصر" لا رغبة عن السنة؛ لأنه كفر بل لإيثاره الأصل وهو الإتمام فالأولى له القصر بل يكره تركه، وكالقصر= =في ذلك كل رخصة، وكالكاره لذلك الشاك في جوازه أي لظن فاسد تخيله فيؤمر به قهرًا لنفسه عن الخوض في مثل ذلك. فصل: فيما يتحقق به السفر، "وأول السفر" الطويل هنا والقصير فيما مر بالنسبة للمتنفل على الدابة أو ماشيًا "الخروج من السور في" البلدة "المسورة" أو من بعضه في المسور بعضها وهو صوب سفره وإن تهدم أو تعدد أو كان ظهره ملصقًا به أو كان وراءه عمارة أو احتوى على خراب ومزارع؛ لأن ما كان خارجه لا يعد من البلد بخلاف ما كان داخله ولو من الخراب والمزارع ومثله الخندق ومحل ذلك إن اختص وإلا بأن جمع بلدتين أو قريتين لم يشترط مجاورته بل لكل حكمه. "و" أوله فيما لا سور له الخروج "من العمران" وإن تخلله خراب أو نهر أو ميدان ليفارق محل الإقامة، وأفهم كلامه أنه لا يشترط مجاوزة الخراب الذي وراءه ولا المزارع والبساتين المتصلة بالبلد وإن كانت محوطة أو كان فيها دور تسكن في بعض فصول السنة وهو المعتمد فيهما والقريتان المتصلتان كالقرية فإن انفصلتا ولو يسيرًا فلكل حكمها، ويعتبر في سفر البحر المتصل ساحله بالبلد الخروج منها "مع ركوب السفينة" وجريها أو جري الزورق إليها قاله البغوي.
[ ١٤٦ ]
تفصيل مدني آخر حسب المدنية التي كانت في تنظيم العراق فقسموا المدينة إلى عمران وربض لها وهي ما كان تابعا لها لخدماتها اليومية كالمواقف في عصرنا والحدائق والأسواق والميادين العامة.
والقسم الآخر هو فناء المصر، أو فناء المدينة وهي المساحات المنفصلة خارج المدينة لإلقاء التراب، أو لركض الخيل، أو دفن الموتى فهذه منفصلة عن المدينة فلا تعتبر منها إلا إن اتصلت بها (^١).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي (٢/ ١٢١). = ="خرج من عمارة موضع إقامته) أراد بالعمارة ما يشمل بيوت الأخبية لأن بها عمارة موضعها، قال في الإمداد: فيشترط مفارقتها ولو متفرقة وإن نزلوا على ماء أو محتطب يعتبر مفارقته كذا في مجمع الروايات، ولعله ما لم يكن محتطبا واسعا جدا اه، وكذا ما لم يكن الماء نهرا بعيد المنبع، وأشار إلى أنه يشترط مفارقة ما كان من توابع موضع الإقامة كربض المصر وهو ما حول المدينة من بيوت ومساكن فإنه في حكم المصر وكذا القرى المتصلة بالربض في الصحيح، بخلاف البساتين، ولو متصلة بالبناء لأنها ليست من البلدة ولو سكنها أهل البلدة في جميع السنة أو بعضها، ولا يعتبر سكنى الحفظة والأكرة اتفاق إمداد. وأما الفناء وهو المكان المعد لمصالح البلد كركض الدواب ودفن الموتى وإلقاء التراب، فإن اتصل بالمصر اعتبر مجاوزته وإن انفصل بغلوة أو مزرعة فلا كما يأتي، بخلاف الجمعة فتصح إقامتها في الفناء ولو منفصلا بمزارع لأن الجمعة من= =مصالح البلد بخلاف السفر كما حققه الشرنبلالي في رسالته وسيأتي في بابها، والقرية المتصلة بالفناء دون الربض لا تعتبر مجاوزتها على الصحيح كما في شرح المنية. أقول: إذا علمت ذلك ظهر لك أن ميدان الحصا في دمشق من ربض المصر وأن خارج باب الله إلى قرية القدم من فنائه لأنه مشتمل على الجبانة المتصلة بالعمران وهو معد لنزول الحاج الشريف فإنه قد يستوعب نزولهم من الجبانة إلى ما يحاذي القرية المذكورة فعلى هذا لا يصح القصر فيه للحجاج وكذا المرجة الخضراء فإنها معدة لقصر الثياب وركض الدواب ونزول العساكر ما لم يجاوز صدر الباز بناء على ما حققه الشرنبلالي في رسالته من أن الفناء يختلف باختلاف كبر المصر وصغره فلا يلزم تقديره بغلوة كما روي عن محمد ولا بميل أو ميلين كما روي عن أبي يوسف. =
[ ١٤٧ ]
واتفقت المذاهب الأربعة على أن القرى المتصلة ببعض لها حكم القرية الواحدة، ومعنى الاتصال أي: في الارتفاق والخدمات المشتركة.
فأنت ترى أن الخلاف مبني على تلك الأصول الثلاثة.
وخالف ابن حزم الجميع، فمن خرج من قريته، أو محلته ميلا فهو مسافر.
والظاهر أنه يقصد مع نية السفر، وإلا كان عبثا ودليله فعل ابن عمر وهو من أهل اللغة. ومن خرج عن بيوت مدينته، أو قريته، أو موضع سكناه فمشى ميلًا فصاعدًا: صلى ركعتين ولا بد إذا بلغ الميل، فإن مشى أقل من ميل: صلى أربعا؟ (^١).
_________________
(١) = (قوله من جانب خروجه إلخ) قال في شرح المنية: فلا يصير مسافرا قبل أن يفارق عمران ما خرج منه من الجانب الذي خرج، حتى لو كان ثمة محلة منفصلة عن المصر، وقد كانت متصلة به لا يصير مسافرا ما لم يجاوزها، ولو جاوز العمران من جهة خروجه وكان بحذائه محلة من الجانب الآخر يصير مسافرا إذ المعتبر جانب خروجه اه وأراد بالمحلة في المسألتين ما كان عامرا أما لو كانت المحلة خرابا ليس فيها عمارة فلا يشترط مجاوزتها في المسألة الأولى ولو متصلة بالمصر كما لا يخفى، فعلى هذا لا يشترط مجاوزة المدارس التي في سفح قاسيون إلا ما كان له أبنية قائمة كمسجد الأفرم والناصرية، بخلاف ما صار منها بساتين ومزارع كالأبنية التي في طريق الربوة ثم لا بد أن تكون المحلة في المسألة الثانية من جانب واحد، فلو كان العمران من الجانبين فلا بد من مجاوزته لما في الإمداد لو حاذاه من أحد جانبيه فقط لا يضره كما في قاضي خان وغيره. اه
(٢) المحلى بالآثار (٣/ ١٩٢). المحلى بالآثار (٣/ ٢١٥)، "وأما نحن فإن ما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر، فلا يقصر فيه ولا يفطر، فإذا بلغ الميل فحينئذ صار في سفر تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه، فمن حينئذ يقصر ويفطر، وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فإنه يتم، لأنه ليس في سفر - يقصر فيه بعد وسواء سافر في بر، أو بحر، أو نهر، كل ذلك كما ذكرنا، لأنه سفر ولا فرق؟.
[ ١٤٨ ]