أولا: تأصيل المسألة راجع إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٥] وراجع إلى تحقيق الوصف في النص على الواقع وهو ما يسمى تحقيق المناط.
فلفظ المريض يطلق على المريض فعليًا كما تقدم ضبطه، ولا يشمل الصحيح لو خاف على نفسه المرض فهو اسم حالي لا مآلي والنظر المآلي له أصل آخر.
فمجرد الخوف مستقبلا في وقوع المرض لم يعتبره الشرع في إسقاط التكليف.
والقول به على إطلاقه مؤد إلى إبطال التكليف.
_________________
(١) يراجع كتاب الدليل الطبي والفقهي للمريض في شهر الصيام للدكتور حسان شمسي باشا ففيه تفصيل شامل لكل مرض.
[ ١٣١ ]
والحاصل:
١ - أن الشرع علَّق الرخصة بوصف واقعي حالي لا بغيره.
٢ - أن تكليفات الشرع كلها جارية على العاديات الطبيعية ولا تؤدي إلى المرض، وإلا لكانت من تكليف ما لا يستطاع.
٣ - أن الصوم له خصوصية صحية أثبتها الطب الحديث فكيف يكون سببًا للمرض.
٤ - في حال كان الصوم يؤدي إلى المرض بتقرير طبي مختص فهي نازلة خاصة معينة لشخص معين فيه اعتلال صحي معين. وعليه فإن كان الخوف من شخص معين مبنيا على تقرير طبيب مسلم عدل بأنه لو صام حصل له المرض فيقال بالرخصة له.
وعلى هذا يحمل كلام الحنفية، والمالكية، والحنابلة (^١).
فصرح الحنفية أنه على غلبة الظن لا الوهم (^٢) ولهذا قيد الحنفية خوف المريض زيادة المرض، أو بطء برء ونحوه بثلاثة أمور بينة هو غلبة الظن عن أمارة، أو تجربة، أو بإخبار طبيب مسلم غير ظاهر الفسق، وقيل عدالته
_________________
(١) الشرح الكبير على المقنع ت التركي (٧/ ٣٦٩). "والصحيح الذى يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذى يخاف زيادة المرض في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه.
(٢) حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي (٢/ ٤٢٢). "ومثله ما إذا كان يمرض المرضى قهستاني ط أي بأن يعولهم ويلزم من صومه ضياعهم وهلاكهم لضعفه عن القيام بهم إذا صام (قوله وصحيح خاف المرض) أي بغلبة الظن كما يأتي، فما في شرح المجمع من أنه لا يفطر محمول على أن المراد بالخوف مجرد الوهم كما في البحر والشرنبلالي.
[ ١٣٢ ]
شرط، فلو برئ من المرض، لكن الضعف باق وخاف أن يمرض سئل عنه القاضي الإمام فقال: الخوف ليس بشيء (^١).
وهكذا في نصوص المالكية كما يفهم من شرطهم وتمثيلهم بتعليق الخوف بالهلاك الشديد والأذي كتعطيل منفعة سمع، أو بصر، أو غيرهما فقالوا: ووجب الفطر لمريض وصحيح (إن خاف) على نفسه بصومه (هلاكا، أو شديد أذى) كتعطيل منفعة من سمع، أو بصر، أو غيرهما لوجوب حفظ النفس (^٢).
وهذا لا يكون إلا عن خبر طبيب، أو تجربة. فيعطى حكم المريض.
وكذلك ما جاء في نصوص الحنابلة: "أَوْ كَانَ صحيحًا فَمَرِضَ فِي يَوْمِهِ، أو خَافَ مَرَضًا لأَجْلِ عَطَشٍ، أو غَيْرِهِ" (^٣)، فهذا دليل على أن الشخص إن خاف مرضا محققًا، أو ضررًا بينًا بتقرير طبي، أو معلومية شخصية صحيحة منه مبنية على التجربة لا مجرد الخوف المطلق.
وإلا فإنها تخمينات وأوهام فلا نسقط التكليف عن أحد إلا بأمر شرعي.
فهذا المتوهم، أو الخائف ليس ممن شملهم العذر فإن الله ﷾ قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٥] وهذا يشمل المريض حقيقة لا بما يظن حصوله في المستقبل.
إلا في حال قرر الطبيب الخبير ذلك بما ظهر له من الفحوصات الطبية والإجراءات المعروفة فإنه يتبين حينئذ أن هذا الشخص على خلاف الطبيعة؛ لأن الصوم لا يحصل به مرض عادة؛، وإلا لكان من تكليف ما لا يطاق؛
_________________
(١) فتح القدير للكمال ابن الهمام وتكملته ط الحلبي (٢/ ٣٥١).
(٢) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٥٣٥)
(٣) كشاف القناع ٢/ ٣١٠
[ ١٣٣ ]
فمن حصل له به مرض فليس بصحيح؛ بل فيه سبب مرضي كامن يثور بالصوم. فهو كالمريض، وهذا على خلاف الطبيعية العادية (^١).