يشترط لصحة صيام رمضان دخول الشهر ودخوله يكون بطريقتين:
الأولى: الرؤية.
الثانية: إتمام العدة ثلاثين. فقوله ﷾: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، (شهد) لها معنيان: الحضور، والعلم (^١).
_________________
(١) تفسير الإمام الشافعي (١/ ٢٩٢). تفسير الطبري = جامع البيان ط دار التربية والتراث (٣/ ٤٥٤). تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٢٢٨) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ٤١٢). «أصل شهد في كلام العرب حضر، ومنه قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه [البقرة: ١٨٥] ثم صرفت الكلمة حتى قيل في أداء ما تقرر علمه في النفس بأي وجه تقرر من حضور أو غيره: شهد يشهد، البحر المحيط في التفسير (٢/ ١٩٨). التحرير والتنوير (٢/ ١٧٤). أي فمن حضر في الشهر فليصمه كله ويفهم أن من حضر بعضه يصوم أيام حضوره، ويجوز أن يكون شهد بمعنى علم كقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: ١٨] فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف أي علم بحلول الشهر، وليس شهد بمعنى رأى لأنه لا يقال: شهد بمعنى رأى، وإنما يقال شاهد، ولا الشهر هنا بمعنى هلاله بناء على أن الشهر يطلق على الهلال كما حكوه عن الزجاج وأنشد في «الأساس قول ذي الرمة: فأصبح أجلى الطرف ما يستزيده … يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل أي يرى هلال الشهر؛ لأن الهلال لا يصح أن يتعدى إليه فعل شهد بمعنى حضر.
[ ٦٩ ]
فيكون معنى الآية فمن كان حاضرًا غير مسافر وعلم بالشهر فليصمه.
والعلم هنا إما بمشاهدته الهلال بنفسه أو بشهادة غيره.
والأصل الذي تبنى عليه مسائل الرؤية أصول نصية من السنة النبوية.
فعن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: ﴿لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له﴾ (^١).
وعن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ، قال: ﴿الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾ (^٢).
وقد جاء التصريح بإكمال العدة في روايات بلفظ: ﴿فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾ من حديث ابن عمر وأبي هريرة في الصحيحين (^٣).
وعائشة عند أبي داود (^٤) وابن عباس عند الترمذي بسند صحيح (^٥)، وحذيفة بلفظ: ﴿أو تكملوا العدة﴾ (^٦)، وكلها صحاح ثابتة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٧).
(٢) صحيح البخاري (٣/ ٢٧).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ٢٧). وفي مسلم صحيح مسلم (٢/ ٧٦٠).
(٤) برقم (٢٣٢٥)
(٥) سنن الترمذي ت شاكر (٣/ ٦٣).
(٦) عند النسائي (٤/ ١٣٥).
[ ٧٠ ]
وعن عمر وعدي بن حاتم وجابر وأبي بكرة والبراء بن عازب وتدور بين الصحيح والصحيح لغيره (^١).
بل هو منقول عن الصحابة عن النبي ﷺ كما رويناه عن الإمام النسائي قال أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا سعيد بن شبيب أبو عثمان وكان شيخا صالحا بطرسوس قال: أنبأنا ابن أبي زائدة، عن حسين بن الحارث الجدلي، ﴿عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: «أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»﴾ (^٢) قال أبو زكريا: هذا إسناد صحيح متصل وزاد أبوداود "عدل" (^٣). وأخرجه
_________________
(١) المجمع للهيثمي (٣/ ١٤٦).
(٢) سنن النسائي (٤/ ١٣٢) مسند أحمد (٣١/ ١٩٠ ط الرسالة).
(٣) سنن أبي داود (٢/ ٣٠١ ت محيي الدين عبد الحميد): قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن أبي مالك الأشجعي، حدثنا حسين بن الحارث الجدلي، من جديلة قيس، أن أمير مكة خطب، ثم قال: «عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما»، فسألت الحسين بن الحارث من أمير مكة، قال: لا أدري، ثم لقيني بعد، فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب، ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وشهد هذا من رسول الله ﷺ، وأومأ بيده إلى رجل، قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق كان أعلم بالله منه، فقال: «بذلك أمرنا رسول الله ﷺ» قلت سنده صحيح متصل، وهو متابع لطريق صحيح لطريق ابن أبي زائدة عند النسائي وأخرجه أحمد من طريق ابن أبي زائدة عن حجاج عن حسين الجدلي، ونقل المحقق عن المزي أن الصواب أن ذكر الحجاج في طريق زكريا ابن أبي زائدة، وعليه فتكون طريق النسائي معلة بهذا، ولكن هذه العلة تزول بطريق أبي دواد هذه، وأخرجها الدارقطني وقال إسناده متصل صحيح
[ ٧١ ]
الدارقطني بهذه الزيادة وقال: «هذا إسناد متصل صحيح» (^١)
والحاصل أن النص بإكمال العدة ثلاثين، في حال غم الهلال متواتر عن أصحاب النبي ﷺ وعليه إجماع الأمة سوى قول لأحمد في حالة الغيم، فإنه ذهب إلى القول بصوم يوم الشك.
ومعنى انسكوا أي الدخول في العبادة إما الصوم أو شعيرة العيد.
حكم تحري الهلال:
حكم تحري الهلال مبني على أصل شرعي هو الأمر بالتكليف أمر بما يتم به.
فحين أمر الله -سبحانه- بالصلاة وجعلها مؤقتة بمواقيت وجب تبين دخول الوقت بأي وسيلة أدت إلى ذلك؛ لأن الوسيلة هنا هي معرفة العلامة، وهي زوال الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر.
وهذه المعرفة يلزم لها وسيلتها أيًا كانت.
فتجوز بمراقبة الوقت وعلاماته عيانًا وتجوز في عصرنا بالساعات وبالتقويم المضبوط؛ لأنها معبرة عن حركة الشمس بدقة مطابقة.
والشرع ما قصد أن ننظر ونعاين الشمس والغروب والزوال إلا لتحقق دخول الوقت، فإن تحققنا بوسيلة مطابقة جاز ذلك.
ومعاينتها إنما هو بالنسبة لرؤيتنا لها لا بالنسبة لما هي عليه في الفلك فإنها قد تكون غابت عن الأفق الغربي بالنسبة لمن يرونها من الشاطئ وتكون لمن يراها من قمة جبل وبرج مرأية. لذلك لا يفطر سكان الطوابق العليا في ناطحات السحاب مع أهل المدينة إن كانوا لا يزالون يرون الشمس ولو أذن المؤذن في المدينة.
ومثله ركاب الطائرة؛ لأن التكليف متعلق بالفرد في محله لا في محل غيره.
_________________
(١) سنن الدارقطني (٣/ ١١٩)
[ ٧٢ ]
وتختلف المواقيت ولو في البلد الواحد لتعدد المشارق والمغارب حسب المكان، فتجد بين مدينة ومدينة فرقًا في التوقيت للصلاة والإفطار وقت الغروب.
والهلال جعله الله علامة على دخول شهر رمضان وخروجه ودخول الحج وتوقيتات شعائره.
فوجب أن يعلم بأي وسيلة كانت والرؤية وسيلة إثبات الشهر. علق الشرع الصوم بها، فوجبت. ومقصودها حصول العلم بتحقق وجود الهلال وإذا تم هذا التحقق بوسيلة غير الرؤية جاز فالمقصود هو حصول التحقق من الوجود أو العدم فإن حصل بأداة مطابقة للواقع قطعا صح، والدليل عليه أن الشرع جعل حكم اغتمام الهلال عدمًا؛ لأنه لم يره، لكن إذا رؤي الهلال من بلدة أخرى غير بلد الاغتمام وجب العمل بذلك وبطل تعليق الحكم على الاغتمام لما ثبت رؤيته من مكان آخر.
كما فعل النبي ﷺ لما أتم العدة نظرًا لعدم ثبوت الرؤية واغتمام الهلال، عن أبي عمير بن أنس، قال: حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قال ﴿أنهم صاموا زمن النبي ﷺ يوم الثلاثين فجاء ركب آخر النهار فأخبروهم أنهم رأوا الهلال أمس فأمر الناس أن يفطروا ويخرجوا للعيد من غدهم﴾. (^١) قلت: سنده صحيح. ولو ثبت وجوده بالحساب القاطع في الأفق لولا الغمام لكان العمل بذلك واجبًا؛ لأنه تحقق من إبطال الاغتمام والبناء عليه. فهو مساو للرؤية وهو ما يدل عليه هذا الحديث.
كالشمس إن غطتها السحب وقت الغروب فالواجب التحقق بوسيلة التوقيت والحساب، وهو ما عليه العمل؛ لأن الحساب والتوقيت معبر تعبيرا مطابقا للواقع.
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٤٥ ت الشثري) وهو عند أحمد (٢١/ ٣٩٥ ط الرسالة) وسنن ابن ماجه (٢/ ٥٦٦ ت الأرنؤوط).
[ ٧٣ ]
لكن إن كان ليس اغتمامًا لكنه العدم الفلكي القاطع حيث لم يولد الهلال بإثبات العدول المسلمين الخبراء من أهل الفلك المتفقين على ذلك. فهذا لا تعلق به الأحكام ولا تلزم الرؤية أصلًا.
والأمر بالرؤية للوجوب، لأنه علق الصيام بها وبتمام العدة فدل على وجوبها؛ لأنها وسيلة لإثبات الشهر. والوسائل لها أحكام المقاصد، فصار فرضًا أن يقوم البعض بالرؤية، وهي من نوع فروض الكفايات. كما قال فقهاء الحنفية: " يجب كفاية التماس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان؛ لأنه قد يكون ناقصا" (^١).
واستحبه الحنابلة -والاستحباب بعيد في النظر- حيث نصوا أنه: "يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ويسلموا من الاختلاف" (^٢).
وقد أمر به النبي ﷺ وقد كان الصحابة يفعلون ذلك بين يديه وبعده
فعن عائشة ﵂ أنها قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام﴾ (^٣). وهذا إسناده حسن.
وعن ابن عمر ﵄ قال: ﴿تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه﴾ (^٤).
وعن أنس بن مالك ﵁ ما يدل أنهم كانوا يتحرونه بعد النبي ﷺ، حيث قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلًا حديد البصر، فرأيته وليس أحدٌ يزعم أنه رآه غيري -قال- فجعلت أقول
_________________
(١) مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص ٢٣٩).
(٢) المغني لابن قدامة - ت التركي (٤/ ٣٢٥). كشاف القناع (٢/ ٣٠٠ ت مصيلحي).
(٣) سنن أبي داوود- ت محمد محيي الدين (٢/ ٢٩٨).
(٤) صحيح ابن حبان - ت الأرنؤوط (٨/ ٢٣١).
[ ٧٤ ]
لعمر أما تراه؟ فجعل لا يراه - قال - يقول عمر: سأراه وأنا مستلقٍ على فراشي (^١).