هذه من مشهورات المسائل قديمًا وحديثًا، وهي خلافية بين المذاهب الفقهية وحاصل ذلك منحصر في قولين:
فذهب الشافعية في المعتمد إلى أن لكل بلد رؤيتهم، والمذاهب الثلاثة على لزوم الرؤية للجميع (^٢)
وهي مبنية على إطلاق ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته﴾ (^٣)، ولما كانت
_________________
(١) وانظر فتاوى اللجنة الدائمة - ١ (٦/ ١٤٤).
(٢) الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٩٠). نهاية المطلب في دراية المذهب (٤/ ١٨). المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٧٣). الشرح الكبير على المقنع ت التركي (٧/ ٣٣٥). فتح القدير للكمال ابن الهمام وتكملته ط الحلبي (٢/ ٣١٣)
(٣) متفق عليه.
[ ١٠٦ ]
الرؤية من الجميع مستحيلة عادة قام البعض مقامهم ضرورة، وعليه عمل الرسول ﷺ والصحابة ﵃ والأمة فلو رآه من تصح رؤيته لزم الجميع.
ويعارضه ظاهرًا حديث كريب: ﴿أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان، وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم. ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله ﷺ﴾ (^١). فدل ظاهره على القول بتعدد الرؤية.
ولا يعارضه ﴿صوموا لرؤيته﴾ بل يصدق عليه في واقعهم الماضي لامتناع بلوغ الخبر من الشام إلى المدينة ليلة الرؤية فالإشكال القديم كان مبنيا على تعذر وصول الخبر من إقليم إلى إقليم
فكان لكل بلد رؤيتهم والنص ﴿صوموا لرؤيته﴾ يشمله لأنهم صاموا لرؤيته ولا يصل إليهم رؤية غيرهم أو إتمامهم في زمن يمكن بناء الحكم عليه.
ولهذا ففتوى الشافعية من جهة التنزيل المتقدم في زمنهم واقعية؛ حيث ذهب إلى أن لكل رؤيتهم.
وفتوى المذاهب الثلاثة والظاهرية من جهة العموم ظاهرة؛ حيث ذهبوا إلى أن الرؤية الواحدة تلزم الكل.
وحديث كريب الذي استدل به ابن عباس ﵄ على استقلال الشام برؤية والمدينة برؤية ليس صريحًا في المسألة؛ لأن قوله (هكذا أمرنا) يحتمل أنه حديث ﴿صوموا لرؤيته﴾؛ لأنه لم يرد نص واحد من قول النبي ﷺ
_________________
(١) مسلم (٢/ ٧٦٥).
[ ١٠٧ ]
أن لكل بلد رؤيتهم وهذا دليل قوي على أن قوله ﴿هكذا أمرنا رسول الله﴾ أي قوله: ﴿صوموا لرؤيته﴾، فكانت فتوى ابن عباس واقعية تنزيلًا كما هو الحال في قول الشافعية.
ولهذا ذهب الشافعية إلى ضبط الاختلاف بمسافة القصر على المعتمد (^١).
وما ذلك إلا أن مسافة القصر يتعذر فيها أن يأتي رجل من ذلك المكان في نفس الليلة ليبلغهم الرؤية من عدمها فكان التكليف على قدر الاستطاعة.
وأما في مسافة أدنى من القصر فتجري العادات على تناقل الرؤية في هذه الحدود أو اقل منها
والمسألة تقريبية عندهم لكن ملحظهم الفقهي ما ذكرناه أما من ذهب إلى أن الرؤية لازمة للكل، وهم الأئمة الثلاثة والجمهور ففتواهم بنيت على الإطلاق والعموم من غير نظر إلى التنزيل الواقعي إذ كيف يقال إن رؤية مصر أو الشام تلزم المدينة ومكة مع تعذر بلوغ الخبر في زمنهم.
لكن ذلك ممكن في صورة الخروج من رمضان فلو أن شخصًا جاء من الشام وأخبرهم أنهم رأوا الهلال قبلهم فإن قلنا بمذهب الثلاثة يلزمهم.
وعليه فإن كان في المدينة ٢٩ يقابله في الشام ٣٠ يوما لأنهم رأوا قبلهم الهلال وهكذا قصة كريب مع ابن عباس.
لكن الإشكال باق إذ يمكن أنهم في الشام رأوا هلال الفطر لتسع وعشرين من رمضان الموافق ٢٨ في المدينة. فلا يصح هذا التعميم من جهة التنزيل في الواقع فصح مذهب الشافعية ولابد في ذلك الواقع.
لكن في زمننا تختلف الفتوى ويجتمع النص وتنزيله واقعيًا بدون تعذر فإطلاق النص وعمومه ﴿صوموا لرؤيته﴾ يدل لزومًا أن من رأى لزم الجميع
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٧٣).
[ ١٠٨ ]
وتنزيله أيسر ما يكون في زمننا؛ لأن الأخبار تصل لحظة بلحظة إلى العالم في نفس الوقت.
وعليه فصحة القول بأنه يلزمهم رؤية واحدة ظاهر جلي في زمننا والقول بغيره ضعيف كما كان العكس من قبل.
كما أنه قد ثبت بالحساب الفلكي أن الهلال يمكن أن يكون متعذرا في شرق بلاد المسلمين كماليزيا ولكنه ممكن بالأجهزة في جزيرة العرب والشام وممكن بالعين في موريتانيا والأندلس. والفارق بين موريتانيا وماليزيا ٨ ساعة في التوقيت، فلو أنهم في ماليزيا رأوا الهلال فيكون في موريتانيا الساعة الحادية عشرة ظهرًا، فبقي لهم نصف النهار لغروب الشمس فيكتفون برؤية ماليزيا.
والبلاد الإسلامية يجمعها ليل واحد فإن شرقها يكون في آخر الليل في ثلث الليل الآخر بماليزيا وآخرها في جهة الغرب وهي موريتانيا تكون في صلاة المغرب تقريبا.
فإن أمكنت رؤيته في المشرق لزم المغرب ولو تعذرت الرؤية في ماليزيا فإنها تعمل برؤية جزيرة العرب ومصر بعد أربع ساعات أو خمس ويبعد أن لا تراه بلاد الإسلام من شرقها بماليزيا إلى مصر فإن رأته إحدى هذه الدول وصل الخبر في نفس الليلة مشرقًا ومغربًا.
فإن لم يشاهد في جميع هذه البلاد الشاسعة من شرق الأرض بماليزيا إلى غربها بموريتانيا فكيف نلزم عباد الله بالصوم بمجرد الوجود ولم ير في المشارق والمغارب.
وهذا يدل على ضعف القول هنا بأن الرؤية إن أمكنت وحال دونها مانع فإن الصيام لازم؛ لأن عدم الرؤية من المشارق إلى المغارب ليس ناتجا عن حائل أو مانع حتى نقول أنه موجود لولا القترة؛ لأن المانع يندر أن يعم كل هذه البلاد.
[ ١٠٩ ]
وفي هذه الحالة لو قال الفلكيون هو موجود لكن يستحيل رؤيته، فقولهم غير لازم لنا؛ لأن السبب الشرعي انعدم وهو الرؤية، ولا نكلف الأمة من شرقها لغربها بما لم يكلفها الله وبما تعذر عليها جميعًا رؤيته.
وإنما يفتى بهذه الفتوى في مناطق جزئية مثل اليمن ومكة والشام المتقاربة؛ لأنه يحتمل حصول ضباب أو غيم أو قترة في بعضها.
وقد نقل ابن رشد أن الإجماع انعقد على أن البلاد المتباعدة جدًا كالأندلس والمشرق أن لكل قوم رؤيتهم.