وأصل هذه المسألة عائد إلى الكليات التكليفية وتنزيلها راجع إلى تحقق الاشتراطات الوضعية التي جعلها الشرع مناطًا لأداء التكليف يوجد بوجوده وينعدم بعدمه وراجع إلى خصوص الأدلة الحاكمة لهذه المسألة، أما الكليات فهو قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] …
_________________
(١) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٤١٩). "فيه أبحاث منها أن الظاهر أن حاصل عود الوقت أنه زيد في ذلك اليوم زيادة وأن تلك الزيادة لا تنقص من الليلة الآتية ومنها أنه إذا قلنا عاد الوقت فهل يلزم من كان صلى المغرب بعد الغروب أن يصليها بعد الغروب الثاني؛ لأنه بعودها تبين بقاء النهار وهل يلزم من كان أفطر في صوم الفرض الإمساك، والقضاء لتبين أنه أفطر نهارا، أو لا يلزم واحد منها ما ذكر، والعود إنما هو بالنسبة لغير ذلك ومنها أن من لم يكن صلى العصر يصليه أداء وإن أثم بتعمد تأخيره بلا عذر إلى الغروب الأول كما هو ظاهر في ذلك كله نظر وقال الهيتمي "عادت بعد الغروب عاد الوقت كما ذكره ابن العماد وقضية كلام الزركشي خلافه وأنه لو تأخر غروبها عن وقته المعتاد قدر غروبها عنده وخرج الوقت وإن كانت موجودة اه وما ذكره آخرا بعيد، وكذا أولا فالأوجه كلام ابن العماد ولا يضر كون عودها معجزة له ﷺ كما صح حديثها في وقعة الخندق خلافا لمن زعم ضعفه، أو وضعه، وكذا صح أنها حبست له عن الغروب ساعة من نهار ليلة الإسراء؛ لأن المعجزة في نفس العود وأما بقاء الوقت بعودها فبحكم الشرع ومن ثم لما عادت صلى على العصر أداء، بل عودها لم يكن إلا لذلك لاشتغاله حتى غربت بنومه ﷺ في حجره تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٤١٩).
[ ١٢٠ ]
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
أما الاشتراطات الوضعية فهي هنا أن الشرع وضع لصلاة المغرب وإفطار الصائم غياب الشمس على وجه العموم. فمتى غربت الشمس أفطر وصلى حيثما كان في أي زمان ومكان، وأما النصوص الخاصة فهي ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وتنزيل ذلك على هذه المسألة نقول:
هذا يختلف باختلاف الأسفار فمنها ما يكون فيه الراكب متوجها إلى الشرق عكس الشمس فسيكون وقته وقت المغرب أسرع؛ لأن الشرق سابق للغرب في الوقت وواجبه هنا أن يلتزم رؤية الشمس كما هي في مكانه وزمانه في الطائرة فمتى غابت عن الرؤية أفطر وصلى على أي بلد كان. ولا عبرة بوقت البلد الذي تمر الطائرة بسمائها؛ لأن التكليف معلق على الغروب في مكان المكلف نفسه لا في مكان غيره ولا من يحاذيه.
فمن أفطر على وقت البلد التي يمر في سمائها مع أنه يرى الشمس من الطائرة فعليه القضاء، أما إن كان متجها إلى الغرب فله حالان:
١ - فإن الوقت سيطول عليه وقد يصل الوقت إلى ٢٠ ساعة، قبل أن يرى غروب الشمس. فيأخذ برخصة الشرع للصائم في الإفطار فإن أبى التزم رؤية الشمس، أما صلاة المغرب فمتعلقة برؤية الشمس.
٢ - إن استمر رؤيته للشمس بدون انقطاع فإنه يجب أن يقدر الوقت تقديرًا على حسب وقت البلد الذي يمر عليه، والدليل على ذلك:
دليل كلي وقياس:
أولا: أما الدليل الكلي: أن التكليف معلق بالاستطاعة وبجريان العادة على وفق الناموس الإلهي وغاية استطاعته هنا هي الصلاة بالتقدير؛ لأن اضطراب العاديات يخرج المكلف من قدرة الأداء على الوجه الطبيعي والعادي. فيجري فيه التكليف بالسعة والطاقة.
[ ١٢١ ]
ولنا في ذلك نظائر في الشرع فالمريض تسقط عنه بعض الأركان والشروط وصلاة الخوف فيها من الحركات وإسقاط بعض الشروط والأركان من قبلة وركوع وسجود وغير ذلك.
فالشريعة مرنة وواقعية مقصدها الحفاظ على التكليف في كل ظرف من الظروف.
ثانيا: أما القياس فهو على قوله ﷺ في حديث الدجال ﴿اقدروا له قدره﴾ (^١).
فأحال الشرع عند اختلال جريان السنن العادية على طبيعتها على التقدير والاجتهاد.
وقد ذهب الزركشي في مسألة إن توقف غياب الشمس فإنه يصلي المغرب في وقته الطبيعي بالتقدير.
قال ابن حجر: وقضية كلام الزركشي خلافه وأنه لو تأخر غروبها عن وقته المعتاد قدر غروبها عنده وخرج الوقت وإن كانت موجودة. ا. هـ (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٥٠).
(٢) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٤١٩).
[ ١٢٢ ]