وهي تنقسم قسمين: مقاصد أصلية، ومقاصد متممة.
فالقسم الأول: هو مقصد التقوى وهو منصوص عليه صراحة في آية الصيام. فبلوغ درجة التقوى هدف أكبر
[ ٣٠ ]
من أهداف الصيام؛ لأنها تحقق المقصود الأعظم من الخلق المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
والتقوى هي رأس العبادة، ويمكن تعريفها أنها: القيام بأوامر الله بحذافيرها، واجتناب ما حرم بحذافيره، والتورع عن الشبهات.
ولأجل تحقيقها شرع في الصيام شرائع وتكاليف من التزمها رُجِيَ له أن يبلغ هذا المنزلة العظيمة. وعلقت بالرجاء لذلك: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]
فمنها ترك اللغو والرفت والجهل وعموم صيانة اللسان والجوارح وقد دلت عليه النصوص البينة الثابتة من السنة فمنها ما رويناه من طريق البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: ﴿الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا﴾ (^١).
وهذا الحديث تعلقت به أحكام عديدة في هذا الباب فمنها:
١ - أن الصيام ستر ومانع لصاحبه من الآثام والذنوب ومن النار وقد صرحت روايات عديدة أنه جنة من النار (^٢).
٢ - وفيه تحريم الرفث على الصائم وهو الجماع في الأصل ويشمل مقدماته، لكن ثبت أنه ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه، وسيأتي في محله ويدخل في الرفث الكلام الفاحش (^٣)، فلا يجوز للصائم ذلك.
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٣١) فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٠٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ٣١) فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٠٤).
[ ٣١ ]
٣ - وفيه منع الصائم من الجهل، وأفعال الجهال، من صياح، وسفه.
٤ - وفيه تحريم المقاتلة والمشاتمة حال الصوم، ومعنى المقاتلة يطلق على اللعن وقد يراد حقيقتها، فعلى الصائم أن يقول له مرتين أني صائم حتى ينزجر.
٥ - وفيه اختصاص ثواب الصيام من دون العبادات أن الله خبأ أجرها فقال: ﴿الصيام لي وأنا أجزي به﴾ (^١)، أي لما فيه من الإخلاص والبعد عن الرياء، فهو عبادة شخصية سرية لا يطلع عليها إلا الله، فمن صبر وصام وأخلص نال هذه المنزلة.
٦ - وفيه أن من مقاصد الصيام الكف عن الشهوات، والمقصود الجماع وشهوة النساء، ويدخل فيه الشهوات الأخرى، فإن الصوم يمنعه من الانتصار لنفسه ورد من سابه ويمنعه مما يشتهي من مأكل ومشرب.
٧ - وفيه أن خُلوف (بضم الخاء) فم الصائم -وهي رائحته الناتجة عن الصيام- أطيب عند الله من ريح المسك، وهذا مطلق فيشمل في الدنيا والآخرة، وقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة (^٢).
والحاصل أن الصيام يضبط الشخص ويهذب شهواته بتركها وبترك الرفث من القول المتعلق بالشهوات، وأصلح له خلقه فأمره بترك الجهل وأخلاق الجهال، وعلمه ضبط نفسه والتحكم في غضبه، فأمره أن يقول: (إني صائم) لمن شاتمه وسبه.
هذا مع ترك شهوة البطن والفرج ومع تمكن الإخلاص من الصيام.
لهذا فهو مدرسة عظيمة للسير إلى الله والترقي في درجاته.
وثم مصفوفة تكليفية من قيام، وتراويح، وتلاوة للقرآن، وصدقات،
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٤ ط السلطانية).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٠٤).
[ ٣٢ ]
وصلاة، وزكاة الفطرة، والترغيب الشديد في إفطار الصائم، كل هذه تشكل مطلوبات وسيلية لخدمة المقصد الكبير للصيام، وهو تحقيق التقوى.
وإنما نص الله تعالى عليها هدفًا ومقصدًا للصيام بالنص لا بمجرد الاستنباط الفقهي؛ حتى يلاحظها المكلف في سائر صيامه تدريبًا له على استغراق أوقاته في لزومها.
وبما أنها مقصد منصوص فعلى الفقيه أن يلاحظها في فتاواه في مسائل الصيام، فلا يخرج المكلف إلى التساهل؛ بل يفتيه في هذا الباب بما يحقق مقصد التقوى.
والمقاصد المنصوصة هاديات للفقيه، وضابطات لمنهجيته في الفتوى في باب معين وفي كل باب، وانظر إلى باب الأموال وقوله تعالى: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَا ءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]
فإن هذا المقصد يجب تحقيقه في منازل الفتوى في باب الأموال.
والمقصود في باب الأسرة حماية المجتمع، ونظافته، وعفته، وحماية عرضه، ونسله ووجوده، وهكذا في كل باب. فالنص على المقصود هاد للمكلف وللمفتي.