الأصول الحاكمة في هذه المسألة هي عموم الأدلة الآمرة وهي شاملة للفرد والجمع.
ولهذا ذهب سائر العلماء من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم بلزوم
_________________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٨٠)
[ ٨٢ ]
صوم من رآه وحده، إلا ما جاء عن عطاء والحسن وابن سيرين وأبي ثور وإسحق بن راهويه (^١).
أما في خروج الشهر فالأصل أن من رآه وحده أنه يفطر للعموم المتقدم وهذا ما ذهب إليه الشافعي، خلافًا للأئمة الثلاثة.
ولعلهم خصصوا هذه العمومات في الإفطار أن احتمال خطئه كبير لمخالفته الناس ولفعل عمر ﵁ من طريق معمر عن أبي قلابة: أن رجلين رأيا الهلال في سفر؛ فقدما المدينة ضحى الغد، فأخبرا عمر، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: نعم، كرهت أن يكون الناس صياما وأنا مفطر، كرهت الخلاف عليهم، وقال للآخر: فأنت؟ قال: أصبحت مفطرا؛ لأني رأيت الهلال، فقال له عمر: لولا هذا - يعني الذي صام - لأوجعنا رأسك، ورددنا شهادتك؛ ثم أمر الناس فأفطروا. ومن طريق ابن جريج: أخبرت عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي: أن رجلا قال لعمر: إني رأيت هلال رمضان، قال: أرآه معك أحد؟ قال: لا قال: فكيف صنعت؟ قال: صمت بصيام الناس، فقال عمر: يا لك فيها (^٢)، لكنه معارض بما ذكرنا من عمله برؤية الواحد.
_________________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٨٠) حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي (٢/ ٣٨٤). واختلف الحنفية هل يصومه وجوبا أم استحبابا المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٨٠). الاستذكار (٣/ ٢٨٠). الشرح الكبير على المقنع ت التركي (٧/ ٣٤٧). المحلى بالآثار (٤/ ٣٧٧). مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٣٨٧). وفيه: "من رأى هلال رمضان وحده وسواء كان عدلا أو مرجوا أو نحوهما فإنه يجب عليه الصوم فإن أفطر متعمدا أو منتهكا لحرمة الشهر فعليه القضاء والكفارة وإن أفطر متأولا فظن أنه لا يلزمه الصوم برؤيته منفردا ففي وجوب الكفارة تأويلان والقول بوجوب الكفارة هو المشهور.
(٢) المحلى بالآثار (٤/ ٣٧٨)
[ ٨٣ ]
كما أن احتمال الخطأ يقال في الدخول فكيف يلزمه هناك. فالأصح قول الشافعي دلالة وقياسا، ويمكن أن يستدلوا بحديث: عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال في هلال رمضان: ﴿إذا رأيتموه فصوموا، ثم إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون﴾، وزاد ابن جريج في هذا الحديث: ﴿وأضحاكم يوم تضحون﴾ (^١). قلت: هذا سند صحيح.
وعن عائشة عند الترمذي قالت: قال رسول الله ﷺ: ﴿الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس﴾: سألت محمدًا: قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم، يقول في حديثه، سمعت عائشة: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه (^٢).
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (٤/ ٤٥٤ ط التأصيل الثانية).
(٢) سنن الترمذي (٣/ ١٥٦ ت شاكر). وحسنه النووي في الخلاصة "خلاصة الأحكام (٢/ ٨٣٩). قال ابن تيمية مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٠٤). "فالمنفرد برؤية هلال شوال لا يفطر علانية باتفاق العلماء. إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر وهل يفطر سرا على قولين للعلماء أصحهما لا يفطر سرا وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور في مذهبهما. وفيهما قول أنه يفطر سرا كالمشهور في مذهب أبي حنيفة والشافعي وقد روي أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب ﵁ رأيا هلال شوال فأفطر أحدهما ولم يفطر الآخر. فلما بلغ ذلك عمر قال: للذي أفطر لولا صاحبك لأوجعتك ضربا= =والسبب في ذلك أن الفطر يوم يفطر الناس وهو يوم العيد والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي ﷺ عن صومه فإنه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر. وقال: ﴿أما أحدهما فيوم فطركم من صومكم وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم﴾. فالذي نهى عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون وينسك فيه المسلمون. وهذا يظهر بالمسألة الثانية فإنه لو انفرد برؤية ذي الحجة لم يكن له أن يقف قبل الناس في اليوم الذي هو في الظاهر الثامن وإن كان بحسب رؤيته هو التاسع وهذا لأن في انفراد الرجل في الوقوف والذبح من مخالفة الجماعة ما في إظهاره للفطر.
[ ٨٤ ]
قلت: وهذا إن استدلوا به هنا يلزمهم كذلك رد صومه في الدخول؛ لأنه مخالف للحديث.