وحاصل كلامه المنع وانتزع ذلك من اسم الهلال، إذ الاسم يتطلب الظهور للرؤية وإلا فلا عبرة به ولا يسمى هلالًا.
_________________
(١) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٣٨٨). وقال القرافي في الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلاة: يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، وقاعدة رؤية الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب، وفيه قولان عندنا وعند الشافعية، والمشهور في المذهب عدم اعتبار الحساب، قال سند: إن كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه، مع أن حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي، فإن الله سبحانه أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة على نظام واحد طول الدهر، وكذلك الفصول الأربعة، والعوائد إذا استمرت أفادت القطع، كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك، بل طفلا للعادة. وإلا فالعقل يجوز ولادته كذلك. فالقطع الحاصل فيه إنما هو لأجل العادة، وإذا حصل القطع بالحساب فينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات. والفرق هاهنا وهو عمدة الخلف والسلف أن الله ﵎ نصب زوال الشمس سببا لوجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات، فمن علم شيئا بأي طريق لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد القطع، وأما الأهلة فلم ينصب خروجها من شعاع الشمس سببا للصوم، بل نصب رؤية الهلال خارجا عن شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي ولا يثبت الحكم، ويدل لذلك قوله ﷺ: "صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته ولم يقل: لخروجه عن شعاع الشمس، قال في الصلاة: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أي ميلها، انتهى أكثره بلفظه، وفيه إثبات القول بالاعتماد على حساب المنجمين، كما نقله صاحب التوضيح وغيره، وما فرق به بين أوقات الصلاة ورؤية الأهلة حسن، وقد قبله ابن الشاط وله في الذخيرة نحو ذلك.
[ ٩٩ ]
"فإن الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطنًا ولا ظاهرًا واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال واستهللناه فلا هلال إلا ما استهل فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالا فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به فيكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت" (^١).
كما استدل على مذهبه بحديث: ﴿نحن أمة أمية﴾ وعلى اضطراب الفلكيين في ذلك، وله كلام طويل في المسألة حاصلها ما ذكرنا والاستدلال بالحديث متعقب إذا أرجح التأويلات أنه إخبار عن زمنه ﷺ أو أن المقصود أنه الشريعة جمهورية الفهم أعني يفهما العوام والخواص (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٠٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٠٧). "ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: ﴿إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته﴾. والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب. فإن العلماء. بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي وإنما غاية الحساب منهم إذا عدل أن يعرف كم بين الهلال والشمس من درجة وقت الغروب مثلا؛ لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة فإنها تختلف باختلاف حدة النظر وكلاله وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال وانخفاضه وباختلاف صفاء. الجو وكدره. وقد يراه بعض الناس لثمان درجات وآخر لا يراه لثنتي عشر درجة؛ ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعا مضطربا وأئمتهم: كبطليموس لم يتكلموا في ذلك بحرف لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم مثل كوشيار الديلمي وأمثاله. لما رأوا الشريعة علقت الأحكام بالهلال فرأوا الحساب طريقا تنضبط فيه
[ ١٠٠ ]