وهذا المقصد مفهوم من النصوص التي كسرت الشهوة الانتقامية والغضبية، فحرمت رد المشاتمة والمقاتلة بنص صريح: ﴿وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين﴾ (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٤ ط السلطانية).
[ ٣٣ ]
ومنعت النفس من أخلاق الجاهلين وكلامهم فقال ﴿فلا يرفث ولا يجهل﴾ (^١).
والمقصود من هذا يصب في إطار مقصد كبير من مقاصد البعثة ﴿إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق﴾ (^٢).
وبالتتبع تبين لي أن تكليفات الشرع إما تقويمية، أو تتميم، أو إنشاء، أو إلغاء، فكل الشريعة لا تخرج عن هذا.
ففي الأخلاق جاء ليتممها.
ومن تقويمه للعوج ما كان قد دخل على بعض أنواع التدين من عوج لذلك نص في الحديث على: ﴿وتقيم الملة العوجاء﴾ (^٣).
أما الإنشاء فهي أحكام جديدة وتشريعات مستجدة، سواء كان في باب الواجب، أو الحرام، أو غيره.
أما الإلغاء فهو إلغاء الشيء من أصله، كهدمه للشرك، والربا، وكثير من الأمور الجاهلية المنحرفة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٤ ط السلطانية).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٣٢٣).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ٦٦ ط السلطانية) في حديث رويناه عن البخاري قال: حدثنا محمد بن سنان: حدثنا فليح: حدثنا هلال، عن عطاء بن يسار قال: «لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا»، تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال. وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن ابن سلام: غلف: كل شيء في غلاف، سيف أغلف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: إذا لم يكن مختونا.
[ ٣٤ ]
وقد يقال: بأي ميزان جعلت القسم الثاني متمما.
وجوابه: إن منهجية التشريع في القرآن في العبادات أن كل ما شرع لها من تكليف أمرا ونهيا، فهو داخل في ماهيتها، محقق لها، لا تقوم إلا به هذا الأصل إلا أن يرد صارف.
فعلمنا أن الصيام كف عن الطعام والشراب والجماع، لأن الأمر والنهي انصب عليه، وبهذا تبين أن الشرع قصد التعبد بترك شهوتي البطن والفرج في نهار رمضان.
كما أنه نص على أن الغاية والمقصد الأكبر للصوم هو تحقيق التقوى.
وسائر ما تعلق بالصيام من أمر ونهي أخلاقي وغيره راجع إلى تحقيق التقوى فهو المقصد الغائي الأكبر وسواه متمم له.
وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إلى بطلان الصيام بالمعاصي وجعلها داخلة في الماهية، مستدلًا بما في صحيح البخاري، قال: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ﴾ (^١).