﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة (١٧٩)].
يستدل بهذه الآية على أن نزول القرآن كان في شهر رمضان وجاء هذا المعنى في آيات أخرى، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان (٣)]
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٦ ط السلطانية)
[ ٣٥ ]
وهي ليلة القدر، كما صرح بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر (١)] وهذه الليلة من شهر رمضان، كما ثبت في الصحاح من ذلك ما في المسند عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ: أنه قال: ﴿أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان﴾ (^١).
ولما كان هذا الشهر هو شهر القرآن كان من مقاصده تلاوة القرآن ومدارسته، كما يدل عليه فعله المستمر ﷺ الثابت في الصحيح: عن ابن عباس، قال: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾ (^٢).
وقد كان النبي ﷺ: يطيل القراءة في قيام الليل فقد أخرج مسلم ﴿عن حذيفة؛ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة. فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى. فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها.
ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلا. إذا مر بآية
_________________
(١) مسند أحمد (٢٨/ ١٩١ ط الرسالة) وفيه ضعف لأنه من طريق عمران القطان متكلم فيه، قال الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/ ١٩٧): «رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقية رجاله ثقات» وسكت عنه الحافظ في الفتح فتح الباري لابن حجر (٩/ ٥) واختار الشيخ الألباني حسن إسناده قائلا: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (٤/ ١٠٤): «وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي القطان كلام يسير. وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعا نحوه. أخرجه ابن عساكر (٢/ ١٦٧/ ١ و٥/ ٣٥٢/ ١) من طريق علي بن أبي طلحة عنه. وهذا منقطع، لأن عليا هذا لم ير ابن عباس»
(٢) صحيح البخاري (١/ ٨).
[ ٣٦ ]
فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ. ثم ركع فجعل يقول "سبحان ربي العظيم" فكان ركوعه نحوا من قيامه. ثم قال "سمع الله لمن حمده" ثم قام طويلا. قريبا مما ركع. ثم سجد فقال "سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه﴾ (^١).
قلت: وفي حديث ابن عباس من الفوائد والمسائل.
- أن رسول الله ﷺ أجود الناس؛ لأنه جعله أجود من الريح المرسلة ولا يكون أجود من الريح المرسلة إلا من لا يساويه في الجود أحد.
- وفيه دليل على زيادة العمل الصالح في الأوقات المباركة كرمضان، فقد زاد ﵊ من الجود، والعمل الصالح.
- وفيه أن الجود في رمضان له فضل على غيره لذلك زاد فيه ﷺ في هذا الشهر، وإخراج الزكاة فيه داخل في هذا الفضل.
- وفيه أن الجود من الصفات العلية؛ لذلك كان الجود من خلقه ﷺ.
- وفيه مشروعية الصدقة حين مدارسة القرآن، وملاقاة الصالحين، والجود بأنواع الجود؛ لذلك كان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل لمدارسة القرآن.
- وفيه مدارسة القرآن في رمضان.
- وفيه عرضه على المتقن.
- وفيه أن مدارسة القرآن غير تلاوته في القيام، فهي سنة مستقلة.
- وفيه مدارسة القرآن جماعة.
- وفيه أن الليل أولى لمدارسة القرآن؛ لما فيه من الخصوصية.
قال ابن رجب: وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كان ليلًا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلًا، فإن الليل
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٥٣٦ ت عبد الباقي)
[ ٣٧ ]
تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقد قال ابن عباس ﵄: أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا﴾ [الدخان: ٣] وقد جاء عن عبيد بن عمير: ﴿أن النبي ﷺ بدء بالوحي ونزول القرآن عليه في شهر رمضان﴾ (^١). انتهى.
وتحقيقا لهذه المقصد من زمن الرسالة إلى يومنا، جرى عمل الأمة على الاجتهاد في رمضان في تلاوة القرآن، سواء كان في الصلاة الليلية في التراويح، أو على الانفراد، وفي هذا السياق تأتي مسابقات القرآن وتلاواته على وسائل الاعلام المختلفة.
وكان العلماء يتركون حلقات العلم الشرعي للتفرغ للقرآن ومدارسته.
وقد صح في الموطأ قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال: وقد «كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر» (^٢) وثبت: أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها (^٣).
وعند الفريابي بسند صحيح قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا وكيع، عن
_________________
(١) لطائف المعارف لابن رجب» (ص ١٦٩).
(٢) موطأ مالك - رواية يحيى (١/ ١١٥ ت عبد الباقي).
(٣) الصيام للفريابي (ص ١٣١) قلت: إسناده صحيح، قال الفريابي: حدثنا قتيبة، حدثنا وكيع، عن داود بن قيس، عن محمد بن يوسف الأعرج، عن السائب بن يزيد قال: كنا في زمن عمر بن الخطاب نفعله، يعني «نربط الحبال في شهر رمضان بين السواري، ثم نتعلق بها حتى نرى فروع الفجر»
[ ٣٨ ]
سفيان، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، أن عمر بن الخطاب، «دعا ثلاثة قراء في شهر رمضان، فأمر بأسرعهم قراءة يقرأ ثلاثين آية وبأوسطهم أن يقرأ خمسا وعشرين آية، وأمر بأطولهم أن يقرأ عشرين آية» (^١)
وفي الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أبي يقول: «كنا ننصرف في رمضان، فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر» (^٢)
وكان التابعون يقرأون بالبقرة في ثمان ركعات في التراويح.
ففي الموطأ: حدثني عن مالك، عن داود بن الحصين، أنه سمع الأعرج يقول: «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان» قال: «وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف». (^٣)
قال ابن عبد البر: «والأعرج أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين وهذا هو العمل بالمدينة» (^٤)
ومعنى لعن الكفرة أي الدعاء عليهم في قنوت الوتر وسيأتي في محله.
وقال أبو داود في السنن: حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر، قال: «صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام
_________________
(١) الصيام للفريابي (ص ١٣٥):
(٢) موطأ مالك - رواية يحيى (١/ ١١٦ ت عبد الباقي):
(٣) موطأ مالك - رواية يحيى (١/ ١١٥ ت عبد الباقي)
(٤) الاستذكار (٢/ ٧٥)
[ ٣٩ ]
هذه الليلة، قال: فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة، قال: فلما كانت الرابعة لم يقم.
فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» (^١) قلت: هذا إسناد صحيح.
قال ابن خزيمة: وفي قوله ﷺ: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلته» دلالة على أن القارئ والأمي إذا قاما مع الإمام إلى الفراغ من صلاته كتب له قيام ليلته، وكتب قيام ليلة، أفضل من كتب قيام بعض الليل " (^٢)
قال ابن رجب: وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة، لكن مع الإمام وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث، ويصلي مع الإمام حتى ينصرف ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام.
وقال بعض السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل.
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو، أن أبا سوية، حدثه، أنه سمع ابن حجيرة، يخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين﴾ «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين»، قال أبو داود: «ابن حجيرة الأصغر عبد الله ابن عبد الرحمن ابن حجيرة» (^٣)
_________________
(١) (١/ ٥٢١ ط مع عون المعبود).
(٢) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٣٤٠).
(٣) سنن أبي داود (٢/ ٥٧ ت محيي الدين عبد الحميد)، قال المزي: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٣٣/ ٣٩٥): «ووقع في بعض الروايات عنده: عن أبي سودة، وهو وهم، وقد نبهنا عليه في ترجمة سهيل بن خليفة (٢). وقال أبو سعيد ابن الأعرابي، وأبو الحسن بن العبد، وأبو بكر بن داسة، وغيره واحد عن أبي داود: أبو سوية، وهو الصواب. وكذلك رواه حميد بن زنجويه، عن أحمد بن صالح، وكذلك رواه يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب. وقال أبو حاتم بن حبان: أبو سويد اسمه عبيد بن حميد، وقد غلط من قال: أبو سوية. هكذا قال، وفي ذلك نظر، والله أعلم» وفي المسند المصنف المعلل (١٧/ ٤٠٨): أخرجه أَبو داود (١٣٩٨) قال: حدثنا أحمد بن صالح. و«ابن خزيمة» (١١٤٤) قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى. و«ابن حِبَّان» (٢٥٧٢) قال: أخبرنا ابن سلم، قال: حدثنا حَرملة. ثلاثتهم (أحمد بن صالح، ويونس، وحَرملة بن يحيى) عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عَمرو بن الحارث، أن أبا سوية حدثه، أنه سمع ابن حُجيرة يخبر، فذكره.
[ ٤٠ ]
قلت: هذا إسناد مسلسل بالمصريين الثقات، إلا أبا سوية ذكره بن حبان في الثقات، وقال الحافظ صدوق.
وقد ذكر ابن رجب ما كان عليه السلف من تلاوة القرآن في شهر رمضان (^١):
وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع منهم قتادة وبعضهم في كل عشرة، منهم أبو رجاء العطاردي.
قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه كم يقرأ في قيام شهر رمضان؟ فلم يرخص في دون عشر آيات فقيل له: إنهم لا يرضون؟ فقال: لا رضوا. فلا تؤمنهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة يعني في كل ركعة.
وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات.
وسئل الإمام أحمد عما روي عن عمر كما تقدم ذكره في السريع القراءة والبطيء فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار وإنما الأمر على ما يحتمله الناس.
_________________
(١) لطائف المعارف لابن رجب» (ص ١٧٠) وما بعدها.
[ ٤١ ]
وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمسًا، ستًا، سبعًا، قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين.
وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ست آيات، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم.
وقاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم.
فقد كانوا يتلون القرآن في شهر رمضان، في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان.
وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث.
وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة.
وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة.
وعن أبي حنيفة نحوه.
وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان.
وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.
قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.
وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.
[ ٤٢ ]
وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه.
وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة، كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان.
وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره (^١).
قال النووي: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلًا ونهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، وقد كانت للسلف ﵃ عاداتٌ مختلفةٌ في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعةٌ منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثماني ليالي ختمة، وآخرون في كل سبع ليالٍ ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف، وآخرون في كل ستّ ليالٍ، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع وكثيرون في كل ثلاث ختمة، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعةٌ في كل يوم وليلةٍ ختمتين .. وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح، أنّ مجاهدًا ﵀، كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان» (^٢)
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون،
_________________
(١) انظر هذه النقول في سنن سعيد بن منصور - بداية التفسير - ت الحميد (٢/ ٤٥٢) فضائل القرآن - أبو عبيد (ص ١٨٠) الطبقات الكبير (٨/ ١٩٥ ط الخانجي) الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٣٠٠) مسند الدارمي - ت الزهراني (٢/ ١٠٩٩) مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص ١٥٧) فضائل القرآن للفريابي (ص ٢٢٤) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة (٢/ ١٠٣) شعب الإيمان (٢/ ٣٩٩ ت زغلول)، وغيرها كثير.
(٢) الأذكار للنووي ط ابن حزم (ص ١٩٥).
[ ٤٣ ]
ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه، يشير إلى سهره وطول تهجده (^١).