يقول أصحاب هذا المعيار: إنه إذا غرب القمر في التاسع والعشرين من الشهر الهجري بعد غروب الشمس ولو بدقيقة، وحدث المحاق قبل غروب الشمس ولو بدقيقة، فإن القمر يمكن رؤيته بعد غروب الشمس كهلال، وعليه يكون اليوم التالي هو أول أيام الشهر الهجري الجديد. وهذا هو المعمول به في تقويم أم القرى السعودي ابتداء من العام ١٤٢٣ هـ، وكذلك فإن هذا المعيار أو ما يشبهه هو المعتمد في تقاويم دول الخليج باستثناء سلطنة عمان، وفي مصر وفي كثير من الدول الإسلامية الأخرى.
والملاحظ: أن الفلكيين بنوا أقل مقدار يمكن رؤية الهلال فيه على أنه
_________________
(١) https://www.astronomycenter.net/articles/2022/03/21/ram43
[ ٩٠ ]
أقل ما رصده راصد، فأقل ما رصد هو رصد ستاف عام ٢٠٠٤ فرأى الهلال في درجة استطالة ٦. ٤.
قلت فدل هذا أنه لم يوجد من رصده أقل من ذلك فبنوا عليه أنه لا أقل منه ويقصدون إلى الآن، أما بالعين المجردة فبنوا الأقلية أنه من عام ١٨٥٩ وحتى ٢٠٠٥ حصلوا على أقل نتيجة بالعين المجردة وهي ٧. ٧ وكانت من قبل الراصد بيرس يوم ٢٥ فبراير ١٩٩٠ م.
فبنوا على هذا استحالة ما دون ذلك وهم يقصدون حسب ما بلغهم من حركة الرصد، فدل هذا على أن هذه الاستحالة قائمة على التجربة الوجودية لا على العلم المحض القاطع، كما أن هذه يجب أن تبنى على خبر المسلم العدل لا على غيره فإن غيره قد يدعي ذلك لأجل تسجيل اسمه في معيار السبق العلمي وهذا قد يحصل للفاسق.
لهذا فالمعيار المجمع عليه ما كان بالرؤية المجردة أو ما قام مقامها من الأجهزة ويمكن القول إنه في حال وجود شخص مسلم عدل خبير بالفلك رأى الهلال بالأجهزة في درجة ٦ فإنه لا ينفي ما عداه فكيف بغيره.
رأينا في المسألة:
لو اتفقوا على أن الهلال في هذه الدرجة موجود لكن لا يرى لوجود قترة في الجو فأرى القول بجواز الحكم بالصيام بهذا؛ لأنه مشاهد لولا المانع. ويشترط أن يتفقوا على وجوده في هذه الدرجة وأن يكونوا مسلمين خبراء عدولًا؛ لأن رؤية الهلال يشترط لها ذلك.
فإن اتفقوا صام الناس على ذلك؛ لأنها درجة أمكن الرؤية عندها لولا القتر ونحوه.
وخلاصة ما مضى: أن اعتبار الهلال إما أن يكون بوجوده أو بإمكان رؤيته ولو لم ير.
[ ٩١ ]
١ - أما الأول فباطل؛ لأنه قد يوجد قبل فجر يوم الرؤية فيكون يوم الرؤية وهو يوم ٢٩ من الشهر القادم.
٢ - أما الثاني وهو الوجود مع إمكان الرؤية ولو لم ير لعلة سماوية فهو جامع بين المعنى الشرعي والفلكي، بدليل الحديث الصحيح: ﴿أنهم صاموا زمن النبي ﷺ يوم الثلاثين فجاء ركب آخر النهار فأخبروهم أنهم رأوا الهلال أمس فأمر الناس أن يفطروا ويخرجوا للعيد من غدهم﴾. (^١)
فدل أن امتناع الرؤية لوجود علة في السماء مانع زال بالرؤية عند زوال المانع وهكذا الحساب الفلكي كالرؤية بعد زوال المانع.
أما إن كان في درجة وجودية ولا يمكن رؤيته كونه في ضوء الشمس، فتكون العلة هي الوجود وهو باطل؛ لأنا لو اعتمدنا مجرد الوجود لاعتبرنا وجوده قبل ذلك كما في المعيار الأول.
فإن قيل إنما اعتبرناه مع الغروب؛ لأن به يبدأ الشهر الهجري، فجوابه هذا استدلال بمحل النزاع
ثم اطلعت على كلام لابن دقيق العيد يقول هذا في جزئية إمكان الرؤية مع مانع القترة: حيث قال: الذي أقول إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذن الله به، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع على وجه يرى لكن وجد مانع من رؤيته كالغيم فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي قلت لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلا لو شاهد والحال أنه لم يشاهد فلا اعتبار بقوله إذا والله أعلم (^٢).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٤٥ ت الشثري) وهو عند أحمد (٢١/ ٣٩٥ ط الرسالة) وسنن ابن ماجه (٢/ ٥٦٦ ت الأرنؤوط).
(٢) التلخيص الحبير ط العلمية (٢/ ٤٠٧).
[ ٩٢ ]
٣ - العلل الشرعية المنصوصة لا يجوز إبدالها بغيرها
والعل الشرعية المنصوصة التي علقت عليها الأحكام لا يجوز إسقاطها واستبدالها بغيرها، بما يظن أنه أولى منها. فعدة الوفاة والطلاق لا تسقط ولو ثبت طبيا خلو الرحم من الولد.
ثم العلل في كل باب محكومة بأصول ذلك الباب، فالعلة في إثبات النسب هو العقد والفراش، فمن عقد وجاءه ولد نسب إليه ولو لم يفترشها؛ لاحتمال وقوع الفراش ولا ينفى عنه إلا بلعان.
أما إن انتفى أحد وصفي العلة وهو الفراش فالعلة باطلة لذلك لو عقد لرضيع على بالغة وحملت لما لحق به؛ لعدم تحقق العلة. وعلة الخمر الإسكار وعلة الصوم رؤية الهلال، فلو شرب أحد خمرًا ولو لم يسكر لقلته فهو حرام لوجود الإسكار وكذا العلة في القصاص العمد العدوان.
وهذه علة مجمع عليها.
فإن قيل: لو شهد أربعة على الزنا وتبين للقاضي أنها بكر أو أنه مجبوب فهنا سقطت العلة.
قلنا ليس هذه العلة، بل العلة هو إيلاج في فرج محرم، فلما تبين أنه مجبوب لم تثبت العلة أصلًا.
وعلى هذا علة ثبوت الشهر الرؤية أو إتمام الشهر، فمن قال العلة مجرد الوجود فقط أبطل العلة الشرعية واستبدلها بغيرها، ومن قال هي وسيلة للإثبات والوسائل غير مقصودة، قلنا: الوسائل التي علقت عليها التعبدات أو الأحكام الشرعية علل مقصودة، مثل الوضوء وسيلة للصلاة وهي مقصودة، والحاصل أنه يجب الحفاظ على العلل الشرعية للأحكام وإلا لأدى إلى بطلان النصوص.
٤ - أين القطع في الحساب الفلكي؟
ومما يستدل به أن الحساب الفلكي مقطوع به فهو أولى من الرؤية.
[ ٩٣ ]
وجوابه أن الرؤية مقطوع بها؛ لأنها منتهى الحس، لكن الإخبار بها يفيد العلم لا القطع.
وكذلك الحساب الفلكي مقطوع به في وجود الهلال، لكنه عند الإخبار به يفيد العلم لا القطع
فاستويا.
فإن شهد شهود بلغوا حد التواتر من جهات عديدة فهذا مقطوع به رؤيةً وإخبارًا.
فإن تعارض مع الحساب الفلكي الذي تواتر، بأن قال الشهود: رأينا. وقال الحساب: غاب قبل الشمس. فهذه الصورة مستحيلة الوقوع لكن لو قال الحساب الفلكي موجود وتعذرت الرؤية أو استحالت فقولهم متعذر أو مستحيل راجع إلى تجارب رصد عبر سنين طويلة بنوا عليها أقل إمكان للرؤية.
فهو هنا يفيد العلم القريب من القطع، لكن لو عارضه شهادة متواترة بطل؛ لأنها قاطعة لأنا إذا تركناها وقد تواترت كنا قد رددنا ما علق عليه الشرع بالنص والإجماع بما لم يعلق عليه الشرع بلا بنص ولا إجماع.
كما أنه يقال هل تقصدون مقطوعًا به من حيث الوجود أم من حيث إمكان الرؤية؟
فإن قلتم من حيث إمكان الوجود قلنا مجرد الوجود مؤد إلى إبطال الحكم الشرعي؛ لأنه قد يولد قبل مغرب يوم الرؤية بعشرين ساعة فيؤدي إلى صيام يوم التاسع والعشرين من شعبان.
وإن كان المعنى مقطوع به من حيث إمكان الرؤية قلنا ليس مقطوعًا به؛ لأن هذا أقل ما وجد فهو مبني على التجربة وعلى خبر راصد واحد كما تقدم، فكيف يكون مقطوعًا به، بل هو أقل ما وجد. وإن قلتم مقطوع به من حيث أنه لو غرب قبلها أو معها أو غربت كاسفة أو لم يولد وهذه هي محلات القطع الأربعة فلكيًا.
[ ٩٤ ]
قلنا القطع يحتاج إلى نقل يفيد التواتر، فإن كان ذلك فهو مقطوع به من كل جهة ويتعين العمل به ولكن لا يلغى الترائي في هذه الحالات؛ لأنه ثابت بالنص والإجماع وهي طرق التشريع فلا يعدل عنها.
وطريق العمل بالحساب ولو مقطوعًا ليس منصوصًا ولا مجمعًا عليه، فلا يعدل عن المنصوص والإجماع.
وهذا كإثبات النسب بفراش الزوجية ولو أثبت الجينوم أنه ليس ابنه. فلا ينفى عنه إلا بالطرق الشرعية.
ويستفاد من الحساب في تعضيد الشرع لا في نقضه؛ لذلك نرى أنه يمكن العمل بالحساب في حالة وجوده في درجة إمكان الرؤية لكنه مستتر بسحاب ونحوه فلو أثبت الفلك ذلك فإنه يصام؛ لأنه أحوط.
أما الإفطار فيجب إتمام الشهر في هذه الحالة احتياطًا للعبادة فلا يخرج عنها إلا بمقطوع به شرعًا.