إحياء الليل بالصلاة في شهر رمضان مستفيض بالنصوص عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا وتقريرًا، وعن أصحابه في زمنه وزمن الخلفاء جماعة وفرادى، وجمعهم عمر ﵁ على إمام واحد وتواتر العمل في الأمة بهذه السنة العظيمة إلى يومنا هذا.
والدليل على هذا حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، قال ابن شهاب: فتوفي
_________________
(١) = عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي، وإنه ناء بي الشجر، فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء، وقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها فأبت، حتى آتيها بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفتح الخاتم، فقمت عنها اللهم فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها، ففرج لهم فرجة، وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي فعرضت عليه حقه، فتركه ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها، فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي، فقلت اذهب إلى ذلك البقر وراعيها، فقال: اتق الله ولا تهزأ بي، فقلت: إني لا أهزأ بك، فخذ ذلك البقر وراعيها، فأخذه فانطلق بها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي، ففرج الله عنهم.»
[ ٥٠ ]
رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ﵄﴾ (^١).
ومعنى احتسابا أي: مخلصًا لله (^٢).
وعن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ: ﴿أن رسول الله ﷺ صلى، وذلك في رمضان﴾ (^٣).
وعن عائشة ﵂: ﴿أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك﴾ (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٤٥ ط السلطانية)
(٢) وقد نبه على هذا المعنى عمر في خطبته، مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص ٢١٣). وعن مسروق: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا حضر شهر رمضان خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا إن هذا الشهر المبارك الذي فرض الله صيامه ولم يفرض قيامه، فليحذر الرجل أن يقول أصوم إن صام فلان، وأفطر إن أفطر فلان وفي لفظ: إن هذا الشهر كتب الله عليكم صيامه ولم يكتب عليكم قيامه، فمن استطاع أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير التي قال الله تعالى، ومن لم يستطع فلينم على فراشه، وليتق إنسان أن يقول أصوم إن صام فلان، وأقوم إن قام فلان، من قام أو صام فليجعل ذاك لله، أقلوا اللغو في بيوت الله، وليعلم أحدكم أنه في صلاة ما انتظر الصلاة.
(٣) صحيح البخاري (٣/ ٤٥ ط السلطانية).
(٤) صحيح البخاري (٣/ ٤٥ ط السلطانية).
[ ٥١ ]
فهذا قوله وفعله وفعل أصحابه وكانوا يصلون مفرقين وجماعات فلما جاء عمر في خلافته جمعهم على إمام واحد.
فعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: ﴿خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله﴾ (^١).
وعن النعمان بن بشير، قال على منبر حمص: ﴿قمنا مع رسول الله ﷺ، ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السحور الفلاح، فأما نحن فنقول: ليلة السابعة ليلة سبع وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة، فمن أصوب نحن، أو أنتم﴾ (^٢) قلت: سنده صحيح.
وقد سبق أن رسول الله ﷺ صلى بهم جماعة ثم ترك؛ خشية أن تفرض عليهم، فلما زالت العلة رأى عمر أن يجمعهم على إمام واحد.
ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك وفيهم عثمان وعلي وفقهاء الصحابة ﵃.
واستمر العمل زمن عثمان وزمن علي إلى عصرنا هذا. فهو من العمل المتواتر في الدين.
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٤٥ ط السلطانية).
(٢) مسند أحمد (٣٠/ ٣٥١ ط الرسالة).
[ ٥٢ ]
وقد فصلت القول في أحكام ذلك وفقهه ونوازله وكل ما يتعلق بهذا المقصد في الفصل الخامس.