مشروعيته:
١- والاعتكاف سنة في رمضان وغيره من أيام السنة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، مع توارد الأحاديث الصحيحة في اعتكافه ﷺ، وتواتر الآثار عن السلف بذلك، وهي مذكورة في "المصنف" لابن أبي شيبة وعبد الرزاق١.
وقد ثبت أن النبي ﷺ اعتكف آخر العشر من شوال٢، وأن عمر قال للنبي ﷺ: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: "فأوف بنذرك"، [فاعتكف ليلةً] ٣
_________________
(١) ١ كان هنا في الطبعة السابقة حديث في فضل "من اعتكف يومًا.. " فحذفته؛ لأنه تبين لي ضعفه، بعد أن خرجته وتكلمت عليه بتفصيل في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ٥٣٤٧، فكشفت فيه عن علته التي كانت خفيت علي، وعلى الهيثمي قبلي! ٢ هو قطعة من حديث لعائشة، رواه الشيخان وابن خزيمة في "صحاحهم"، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢١٢٧. ٣ رواه الشيخان وابن خزيمة، والزيادة للبخاري في رواية كما في "مختصره" ٩٩٥، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" أيضًا ٢١٣٦-٢١٣٧.
[ ٣٤ ]
٢- وآكَدُه في رمضان لحديث أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يومًا١.
٣- وأفضله آخر رمضان، لأن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل٢.
شروطه:
١- ولا يشرع إلا في المساجد لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ٣ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ٤ وقالت السيدة عائشة:
_________________
(١) ١ رواه البخاري وابن خزيمة في "صحيحيهما"، وهو مخرج في المصدر السابق (٢١٢٦-٢١٣٠. ٢ رواه الشيخان وابن خزيمة ٢٢٢٣، وهو مخرج في "الإرواء" ٩٦٦ و"صحيح أبي داود" ٢١٢٥. ٣ أي لا تجامعوهن. قال ابن عباس: المباشرة والملامسة والمس جماع كله، ولكن الله ﷿ يكني ما شاء بما شاء. رواه البيهقي ٤/٣٢١ بسند رجاله ثقات. ٤ البقرة: ١٨٧، قد استدل الإمام البخاري على ما ذكرناه بهذه الآية. قال الحافظ: ووجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا في فيها.
[ ٣٥ ]
السنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد له منها، ولا يعود مريضًا، ولا يمس أمراته،
ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم١.
٢- وينبغي أن يكون مسجدًا جامعًا لكي لا يضطر للخروج منه لصلاة الجمعة، فإن الخروج لها واجب عليه، لقول عائشة في رواية عنها في حديثها: " ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع"٢.
ثم وقفت على حديث صحيح صريح يُخصص "المساجد" المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وهو قوله ﷺ:
"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" ٣
_________________
(١) ١ رواه البيهقي بسند صحيح، وأبو داود بسند حسن، والراوية الآتية عن عائشة له، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢١٣٥ و"الإرواء" ٩٦٦. ٢ روى البيهقي عن ابن عباس قال: إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور. ٣ أخرجه الطحاوي والإسماعيلي والبيهقي بإسناد صحيح عن حذيفة ابن اليمان ﵁، وهو مخرج في "الصحيحة" رقم ٢٧٨٦، مع الآثار الموافقة له مما ذكرنا أعلاه، وكلها صحيحة.
[ ٣٦ ]
وقد قال به من السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان، وسعيد بن المسيب، وعطاء، إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى، وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقًا، وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته.
ولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه، والله ﷾ أعلم.
٣- والسنة فيمن اعتكف أن يصوم كما تقدم عن عائشة رضي الله عنها١..
ما يجوز للمعتكف:
١- ويجوز له الخروج منه لقضاء الحاجة، وأن يخرج رأسه من المسجد لِيُغْسَلَ ويُسَرَّح، قالت عائشة ﵂:
_________________
(١) ١ رواه البيهقي بسند صحيح، وأبو داود بسند حسن، وقال الإمام ابن القيم في "زاد المعاد": ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطرًا، بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم، ولم يذكر سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله ﷺ إلا مع الصوم، فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. قلت: ويترتب عليه أنه لا يشرع لمن قصد المسجد للصلاة أو غيرهما أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، وهو ما صرح به شيخ الإسلام في "الاختيارات".
[ ٣٧ ]
وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علَيَّ رأسَه وهو [معتكف] في المسجد، [وأنا في حجرتي] فأُرَجلُهُ، [وفي رواية: فأغسله وإن بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض]، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة [الإنسان]، إذا كان معتكفًا١..
٢- ويجوز للمعتكف وغيره أن يتوضأ في المسجد لقول رجل خدم النبي ﷺ: توضأ النبي ﷺ في المسجد وضوءًا خفيفًا٢.
٣- وله أن يتخذ خيمة صغيرة في مؤخرة المسجد يعتكف فيها، لأن عائشة ﵂ كانت تضرب للنبي ﷺ خِبَاءً٣ إذا اعتكف، وكان ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم٤..
_________________
(١) ١ رواه الشيخان، وابن ابي شيبة، وأحمد، والزيادة الأولى لهما، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢١٣١-٢١٣٢. ٢ رواه البيهقي بسند جيد، وأحمد ٥/٣٦٤ مختصرًا بسند صحيح. ٣ الخِباء أحد بيوت العرب من وَبَرٍ أو صوف ولا يكون من شعَر، ويكون على عمودين أو ثلاثة. "نهاية". ٤ رواه الشيخان من حديث عائشة، وفعلها للبخاري، والأمر لمسلم، وتقدم تخريجه ص٣٤ التعليق ٢.
[ ٣٨ ]
واعتكف مرة في قُبَّةٍ تُركيَّة١ٍ على سُدَّتِها حصير٢..
إباحة اعتكاف المرأة وزيارتها زوجها في المسجد:
٤- ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في معتكفه، وأن يودعها إلى باب المسجد لقول صفية ﵂: " كان النبي ﷺ معتكفًا [في المسجد في العشر الأواخر من رمضان] فأتيته أزوره ليلًا، [وعنده أزواجه، فَرُحْنَ]، فحدثتُهُ [ساعة]، ثم قمت لأنقلبَ، [فقال: لا تعجلي حتى أنصرف معك]، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد [حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة]، فمر
_________________
(١) ١ أي قبة صغيرة. والسدة كالظلة على الباب لتقي الباب من المطر والمراد أنه وضع قطعة على سدتها لئلا يقع فيها نظر أحد كما قال السندي وأولى أن يقال: لكي لا ينشغل بال المعتكف بمن قد يمر أمامه تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه كما قال الإمام ابن القيم: "عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة الزائرين وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم فهذا لون والاعتكاف النبوي لون والله الموفق". ٢ هو طرف من حديث لأبي سعيد الخدري، رواه مسلم وابن خزيمة في "صحيحيهما" وهو مخرج في "صحيح أبي داود"١٢٥١.
[ ٣٩ ]
رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: "على رسْلِكُما؛ إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما شرًا"، أو قال: شيئًا" ١.
بل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها، أو لوحدها لقول عائشة ﵂:
اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة "وفي رواية أنها أم سلمة" من أزواجه، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطَّسْت تحتها وهي تصلي٢.
وقال أيضًا:
كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الشيخان، وأبو داود، والزيادة الأخيرة له، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢١٣٣و٢١٣٤. ٢ رواه البخاري وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢١٣٨، والرواية الأخرى لسعيد بن منصور كما في "الفتح" ٤/٢٨١ لكن سماها الدارمي ١/٢٢: زينب. والله أعلم. ٣ أخرجه الشيخان وغيرهما، وسبق تخريجه ص٣٥ التعليق رقم ٢.
[ ٤٠ ]
٥- ويبطله الجماع لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ .
وقال ابن عباس:
إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه، وأستأنف١.
ولا كفارة عليه لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وانتهى إعادة النظر فيه وتنقيحه وإضافة فوائد جديدة إليه بقلم مؤلفه فجر يوم الأحد ٢٦ رجب سنة ١٤٠٦ هـ وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة ٣/٩٢ وعبد الرزاق ٤/٣٦٣ بسند صحيح. والمراد من قوله: استأنف أي أعاد اعتكافه.
[ ٤١ ]