ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بأثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشدُّ على جبينها) (^١) مع تصريحه بضعفه؛ على أنه يناقض أثر العين الواحدة لابن عباس، وأنكر على مخالفيه استشهادهم لتقوية أثر العين الواحدة لابن عباس بما صح عن قتادة أنه قال" أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (^٢)؛ لأن الشيخ الألباني يرى أنه يناقضه!! والصحيح أن أثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها) وأثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) كلها توافق أثر ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة)؛ ولا تناقضه، فكلها تحمل معنى تغطية الوجه وإن اختلفت كيفية التغطية، ومما يشهد لصحة ذلك ما يأتي:
١) أن هذا ما حملها عليه أهل التفسير: كالقرطبي والشوكاني وغيرهما فقد حملوا قول ابن عباس وقتادة على تغطية الوجه برد طرف الجلباب وعطفه على الأنف بعد شدّه على الجبين - وهذا هو التقنع - ولم يقل أحد منهم أن المراد أن تقنع الشعر وتشد الجلباب على الجبين دون تغطية للوجه!!
- قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣): والجلباب هو الثوب الذي يستر جميع البدن، واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة
_________________
(١) استشهد به الشيخ الألباني مصحَّفا وذلك بزيادة (الهاء) في قوله (تشده) مما قد يوهم بأن التقنع يتحقق بشد الجلباب على الجبين فقط، والصحيح أن شد الجلباب على الجبين فعل متمم للتقنع كما يتضح ذلك من السياق الصحيح لهذا الأثر "وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها"
(٢) الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦ صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.
[ ٨٨ ]
السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
- قال العلامة محمد بن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ١٤٤): والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها.
- قال المفسر النحوي أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
- قال الثعالبي في تفسيره (٣/ ٢٣٦): الجلباب ثوب أكبر من الخمار، واختلف في صورة إدنائه فقال ابن عباس وغيره ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة ذلك أن تلويه على الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
[ ٨٩ ]
- قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن إلا عينًا واحدة وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
- قال العلامة الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): قال ابن عباس وقتادة تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير؛ تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة.
٢) أن هذا هو الثابت عند أهل العلم في معنى التقنع:
- قال العلامة الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): "ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة ".
- وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.
- وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في موضعين (١٠/ ٢٧٤) (٧/ ٣٤٣) والعيني في عمدة القاري أيضا في موضعين (٢١/ ٣٠٨) (١٧/ ١٣٦) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) كلهم اتفقت عبارتهم في تعريف التقنع بقولهم: التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
وسيأتي زيادة بيان وتفصيل لمعنى التقنع قريبا في مناقشة البحث الرابع.
وبذلك تبين أن أثر ابن عباس وأثر قتادة؛ توافق أثر العين الواحدة لابن عباس وتعد من الشواهد التي يتقوى بها.
[ ٩٠ ]