وقد أشار الشيخ الألباني إلى من فسّر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين؛ مكتفيا بسرد أسمائهم ومخرجي أقوالهم! وبالرجوع إلى أقوالهم في المواضع المشار إليها يتبين أنهم لم يقتصروا في تفسير الزينة الظاهرة على (الوجه والكفين) فقط بل زاد بعضهم (الخاتم والسوار) وهي من الزينة التي لم يقل أحد من أهل العلم بجواز إبدائها للرجال الأجانب ولا الشيخ الألباني نفسه!
وهذه أقوالهم التي أشار إليها الشيخ الألباني:
[ ٣٨٥ ]
١ - فقوله: عائشة ﵂. عبد الرزاق، وابن أبي حاتم "الدر المنثور"، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم.
- أما عبد الرزاق فلم يخرج لها شيئا في تأويل قوله (إلا ما ظهر منها) ولعله سبق قلم أراد أن يقول الطبري، فإنه هو الذي أخرج لها في تفسيره (١٨/ ١١٩) في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عن ابن جريج بإسناد صحيح قال: قالت عائشة (القلب والفتخة) والقلب: هو السوار كما في النهاية في غريب الأثر (٤/ ٩٨) والفتخة: جمعها فتخ، وهي خواتيم كبار كما في النهاية في غريب الأثر (٣/ ٤٠٨).
- ومثله ما أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي؛ قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٨٠): وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت (القلب والفتخة) وضمت طرف كمها. (^١)
ولم يُخرّج أنها قالت (الوجه والكفان) إلا البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦) وقد صرح الشيخ الألباني بضعف هذه الرواية في رده المفحم/ ١٢٩ فقال: ولفظ
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦) تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٥) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٦).
[ ٣٨٦ ]
حديثها عن البيهقي (٢/ ٢٢٦): " ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفان" وإسناده ضعيف (^١)، لكن له طريق أخرى بنحوه عند ابن أبي شيبة وغيره! اهـ
وقد رأينا ما أخرجه عنها ابن أبي شيبة وغيره بلفظ (القلب والفتخة) وليس (الوجه والكفان)!
* فخلاصة ما صح عن عائشة ﵂ أن الزينة الظاهرة هي السوار والخاتم.
٢ - أما قول الشيخ الألباني: عبد الله بن عباس ﵁. ابن أبي شيبة، والطحاوي، والبيهقي، وصححه ابن حزم أيضًا، وله عنه سبعة طرق. اهـ
- أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٥٤٦): عن جابر بن زيد عن ابن عباس ولا يبدين زينتهن قال (الكف ورقعة الوجه) وفي إسناده مقال (^٢) وعلى فرض صحته
_________________
(١) في إسناده عقبة بن الأصم قال البيهقي: وعقبة ضعيف لا يحتج به. كما في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ٣/ ٥٢.
(٢) قال الشيخ الألباني إرواء الغليل (٦/ ٢٠٠) هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخارى، غير صالح الدهان ترجمه ابن أبى حاتم (٢/ ١/٣٩٣) وروي عن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة. اهـ قلت: صالح هذا لم يرو عنه أحد في الكتب الستة؛ وفي تهذيب الكمال (١٣/ ٤٠): قال بن عدي: " لم يحضرني له حديث وليس بالمعروف. ولم يخرجوا له شيئا " وفي إسناده أيضا زياد بن الربيع؛ قال الشيخ الألباني: "هو ثقة دون أي خلاف يذكر وقد احتج به البخاري في صحيحه". قلت لم يرو له البخاري إلا حديث واحدا؛ قال المزي في تهذيب الكمال (٩/ ٤٦٠): قال أبي داود: ثقة. وقال أحمد بن حنبل: شيخ بصري ليس به بأس، قال ابن شاهين: كان شيخا صدوقا وليس بحجة، قال البخاري: في إسناده نظر.
[ ٣٨٧ ]
فإن المراد قصر ما يحل إظهاره من الزينة بما كان في رقعة الوجه والكفين دون توسع فيما جاورهما.
وعند ابن أبي شيبة من طريق آخر (٣/ ٥٤٧) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (وجهها وكفها). وإسناده ضعيف، قال الشيخ الألباني في رده المفحم /١٣٣: " وقد تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس عند ابن أبي شيبة أيضا وفي سنده ضعيف". (^١)
- أما ما أخرجه الطحاوي عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: (الكحل والخاتم) (^٢).
- وكذلك البيهقي لم يخرج له أنه قال (الوجه والكفين) إلا من طريق واحدة ضعيفة في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٥): قال (ما في الكف والوجه). أما ما صح من الطرق عند البيهقي فقال فيها ابن عباس (الكحل والخاتم) (^٣) وفي رواية قال: والزينة الظاهرة (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها). (^٤)
_________________
(١) وهو عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي؛ ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي وأبو حاتم (تهذيب الكمال ١٦/ ١٢٨).
(٢) شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٣٣٢).
(٣) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٥) (٢/ ٢٢٥).
(٤) سنن البهقي الكبرى (٧/ ٩٤) وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٨/ ١١٨، وإسناده حسن.
[ ٣٨٨ ]
- وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٧٤) عن ابن عباس قال (وجهها وكفاها والخاتم). (^١)
- وأخرج الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) عن ابن عباس قال (الخاتم والمسكة). المسكة: السوار.
* فخلاصة ما صح عن ابن عباس أن الزينة الظاهرة هي مافي الوجه والكفين من الزينة ونص على أن منها الخاتم والسوار.
٣ - أما قول الشيخ الألباني: عبد الله بن عمر ﵁. ابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم. اهـ
- أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٥٤٦) قال ابن عمر: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. (^٢) وما أشبه إسناده بإسناد أثر ابن عباس في تفسير آية الإدناء الذي
_________________
(١) صحح إسناده يحيى بن معين في الجزء الثاني من حديث يحيى بن معين (الفوائد) ١/ ٨٨.
(٢) في إسناده هشام بن الغاز: قال المزي في تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٥٩): قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال دحيم: ثقة، قال عبد الرحمن بن إبراهيم: مستقيم الحديث. وفيه شبابة بن سوار: قال المزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٣٤٧): قال علي بن المديني: شيخ صدوق إلا أنه كان يقول بالإرجاء، وقال محمد بن سعد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، قال ابن عدي: لا بأس به.
[ ٣٨٩ ]
رماه الشيخ بالضعف!! ولذلك عزا تصحيحه لابن حزم!! ومع ذلك فإن المراد كما أسلفنا قصر ما يحل إظهاره من الزينة بما في الوجه والكفين من الزينة.
٤ - أما قول الشيخ الألباني: أنس بن مالك ﵁. وصله ابن المنذر، وعلقه البيهقي. اهـ
- قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧٩): وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكحل والخاتم). وهو ما علقه البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٥): عن ابن عباس في قوله ولا يبدين زينتهن ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكحل والخاتم) وروينا عن أنس بن مالك مثل هذا.
* فهذا أنس ﵁ يوافق قول عائشة وابن عباس ﵄ في أن الخاتم من الزينة الظاهرة.
٥ - أما قول الشيخ الألباني: أبو هريرة ﵁. ابن عبد البر في "التمهيد".هـ
- قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٨): وقد روى عن أبي هريرة في قوله تعالى
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (القلب والفتخة) قال جرير بن حازم: القلب السوار، والفتخة الخاتم.
[ ٣٩٠ ]
* وهذا أبو هريرة - ﵁ - أيضا يوافق عائشة وابن عباس ﵃ على أن المراد بالزينة الظاهرة السوار والخاتم.
٦ - أما قول الشيخ الألباني: المسور بن مخرمة ﵁. ابن جرير الطبري. اهـ
- أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) عن المسور بن مخرمة: في قوله (إلا ما ظهر منها) قال (القلبين والخاتم والكحل). القلبين: مثنى من القلب وهو السوار.
* وهذا المسور بن مخرمة - ﵁ - يوافق أيضا عائشة وابن عباس وأبا هريرة - ﵃ - أن المراد بالزينة الظاهرة الخاتم والسوار.
وبعد أن عرضنا هذه الأقوال التي أشار إليها الشيخ الألباني دون أن ينقلها؛ ننقل أيضا ما أشار إليه من تصحيح ابن حزم لبعض هذه الأقوال دون أن ينقل قول ابن حزم أو يشير إلى الموضع الذي صححها فيه!!
قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١): وقد روينا عن ابن عباس في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال "الكف والخاتم والوجه"، وعن ابن عمر "الوجه والكفان"، وعن أنس "الكف والخاتم" وكل هذا عنهم في غاية الصحة، وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين.
[ ٣٩١ ]
فالأثر الذي صححه ابن حزم عن ابن عباس وأنس؛ فيه أن الخاتم من الزينة الظاهرة، كما أن ابن حزم أشار إلى صحة ما أثر عن عائشة ولم يصح عنها إلا قولها (القلب والفتخة). وكذلك ما صح عن بعض التابعين من تلامذة ابن عباس مما يعضد الأقوال السابقة:
- عن قتادة في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال "المسكتان والخاتم والكحل"وعنه من طريق آخر قال: "الكحل والسوران والخاتم". (^١)
- عن سعيد بن جبير قال ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكحل والخاتم. (^٢) وفي رواية قال: الخاتم والخضاب والكحل. (^٣)
- عن مجاهد قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الكحل والخضاب والخاتم. (^٤)
فخلاصة ما صح عن الصحابة؛ عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة والتابعين؛ سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة؛ أن الزينة الظاهرة هي: الكحل والخاتم والسوار.
_________________
(١) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨
(٢) نفسير الطبري ١٨/ ١١٧
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٧ (١٧٠١٥).
(٤) تفسير الطبري ١٨/ ١١٧.
[ ٣٩٢ ]
فإذا ثبت عن كبار الصحابة والتابعين في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن الخاتم والسوار من الزينة الظاهرة؛ دل ذلك على أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة ليسوا من الرجال الأجانب الذين يُحتجب عنهم. لأنه من الثابت شرعا النهى عن إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب، وأهل العلم قاطبة مجمعون على تحريم إبداء ذلك للرجال الأجانب (^١)،
_________________
(١) ومنهم الشيخ الألباني حيث قال في جلباب المرأة /٨٩: فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) وإلا وجب ستر ذلك ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم في تحريمه، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد (٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩) عن أخت حذيفة وكان له أخوات قد أدركن النبي - ﷺ - قالت: (خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: يا معشر النساء أليس لكن في الفضة ما تحلين؟ أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: قد أدركتهن وإن إحداهن لتتخذ لكمها زرا تواري خاتمها). اهـ ومما يشهد أيضا لعدم جواز إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب ما ورد عن عمارة بن خزيمة قال: خرجنا مع عمرو بن العاص متوجهين إلى مكة فإذا نحن بامرأة عليها حبائر لها وخواتيم وقد بسطت يدها على الهودج، فقال كنا مع النبي - ﷺ - فإذا نحن بغربان وفيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين فقال" لا يدخل الجنة من النساء إلا قدر هذا الغراب في هؤلاء الغربان". أخرجه أحمد في مسنده (١٧٨٦٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٠ رجاله ثقات، والنسائي في السنن الكبرى (٩٢٦٨) وأبي يعلى في مسنده (٧٣٤٣) واللفظ له، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٤٦٦ (١٨٥٠) وقال الحبائر: ضرب من الأسورة، وفي لسان العرب ٤/ ١١٥: الحبائر: الأسورة من الذهب والفضة. فدل استحضار عمرو بن العاص لهذا الحديث بعد أن رأى هذه المرأة التي أظهرت يديها بما فيها من أساور وخواتيم أمام الرجال الأجانب على أن هذا الأمر مما نهى عنه الشرع وأنه قد يكون حائلا دون دخول الجنة!
[ ٣٩٣ ]
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ١٥٨):
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. (^١) اهـ
وقال ابن عطية (ت ٥٤٢ هـ) في تفسيره المحرر الوجيز (٤/ ١٧٨) والقرطبي (ت ٦٧١ هـ) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٨) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٧): أمر الله ﷾ النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ، ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. قال القرطبي: فهذا أقوى من جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. اهـ
_________________
(١) لما أخرجه من حديث ابن جريج وقتادة، وقد بينا أن المراد من الحديث إباحة إظهار مقدار قبضة من الذراع وليس نصف الذراع.
[ ٣٩٤ ]
فمما يبين أن مرادهم أن الزينة الظاهرة إنما يباح إظاهرها لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:
١ - قولهم (لا يبدين زينتهن للناظرين) لتقييد من يحل إبداء الزينة الظاهرة لهم بكونهم ممن أبيح لهم النظر للمرأة.
٢ - قولهم (والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ) وهذا مما لم يقل بجواز إبدائه للرجال الأحرار الأجانب أحد من أهل العلم مطلقا ولا الشيخ الألباني نفسه؛ فهذا يؤكد أن مرادهم أن من تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب.
٣ - قولهم بعدها (ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس) وهذا تصريح بأن الزينة الظاهرة إنما تبدى لمن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب.
٤ - قول القرطبي (فهذا أقوى من جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها) فجعل الاقتصار على كشف الوجه والكفين من جانب الاحتياط ومراعاة الفساد وهذا يؤكد أن من أُبيح لها أن تكشف لهم ذلك هم ممن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب حتى كان الاقتصار على كشف الوجه والكفين لهم يعد من باب الاحتياط ومراعاة الفساد. فإنه من المجمع عليه أن ستر ماعدا الوجه والكفين من الرجال الأجانب واجب وليس من باب الاحتياط!
[ ٣٩٥ ]
فلما ثبت أن المراد بالزينة الظاهرة؛ ما تبديه المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ ثبت بذلك براءة ابن عباس مما نسب إليه من القول بجواز كشف الوجه.
قال أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣): أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: " والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها" هكذا تمام كلام ابن عباس ولكن كثيرًا من العلماء ينقلون عنه الشق الأول! فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان، ليس مطلقًا وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها. ومما يؤكد هذا تفسيره لقوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) فقد أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس قال: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة" فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. وانظر الرواية التالية لابن عباس: أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس، قال ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله: ﴿عورات النساء﴾ قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها، وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها " وفيها أن الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسواراها، وأما الخلخال والنحر والشعر فلا تبديه إلا لزوجها. ومع الأسف الشديد أن مسألة جواز كشف الوجه واليدين ينسبه العلماء لابن عباس على إطلاقه، فليحرر.
[ ٣٩٦ ]