والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية ونحو ذلك أن يكون هذا سائغا! وهذا خلاف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ الآية، وقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ اهـ.
فكيف يسوغ إنكاره لهذا الإجماع وهو قد أقرّ به في كتابه!
- سادسا: ومما يثبت إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على الحرائر من النساء:
١) التصريح من بعض أهل العلم على اختلاف مذاهبهم بهذا الإجماع:
- قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): والعلماء مجمعون على أن الله ﷿ لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب وأن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ الإماء؛ وإنما أراد بذلك الحرائر.
- قال بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري (٢٠/ ٢٤٥): لايجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع، ما ورد من بروز النساء فإنما كان قبل نزول الحجاب.
[ ١٦١ ]
- قال الإمام العلامة يوسف بن عبدالهادي المقدسي الشهير بابن المَبْرَد في مغني ذوي الأفهام /١٢٠: ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.
- وقال العلامة المجتهد الكبير محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الروض الباسم (٢/ ٢٢٨): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.
- وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي في كتابه المرأة المسلمة /٢٠٢: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.
٢) استمرار العمل يدل على الإجماع كما قال إمام الحرمين الجويني في الورقات في أصول الفقه: والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك.
- قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٧): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعوا من الخروج.
- قال الإمام ابن نور الدين بن الخطيب الشافعي في تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١): لم يزل عمل الناس على هذا قديما وحديثا في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكرا.
[ ١٦٢ ]
٣) القول بوجوب ستر وجه المرأة وإليك بعض أقوال أهل العلم التي سبق بسطها في البحوث السابقة:
- قال أبو بكر الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ): المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.
- قال ابن عبد البر المالكي (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
- قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن.
- قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.
- قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض.
- قال ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): ولأنهن لو منعن النظر
_________________
(١) للرجال لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. - قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.
[ ١٦٣ ]
- قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) وأبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ونظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): أمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.
- قال ابن جزي الكلبي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.
- قال السبكي (ت ٧٥٦ هـ): من نصفها حر ونصفها رقيق، في السترة؛ حكم الأرقاء، لأن وجوب ستر الرأس من أمارات الحرية وعلامات الكمال. (^١)
- وقال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.
- قال ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.
- قال العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ): الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾
- قال أحمد بن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه. (^٢)
_________________
(١) فتاوى السبكي ١/ ١٤٩.
(٢) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٧/ ١٩٣).
[ ١٦٤ ]
- قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): قوله (ومن الحرة غير الوجه والكفين) أقول قد دل الدليل على أن هذا يجب عليها ستره من الرجال ولا يجوز لهم النظر إليه.
- قال الجاوي في نهاية الزين (ت ١٣١٦ هـ) (١/ ٤٧): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه. (^١)
- وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزًا شوهاء، فيحرم على الرجل أن ينظر إلى شيء منها، ولو بغير شهوة، ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد. (^٢)
وبذلك تبين إجماع أهل العلم على وجوب تغطية المرأة لوجهها وأن "الصواب مع المشايخ الذين يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه عند الرجال الأجانب ودليلهم على ذلك الكتاب والسنة والإجماع" وتبين خطأ الشيخ الألباني في إنكاره على من قال بذلك.
وفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر لدينا إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على المرأة الحرة من الرجل الأجنبي الحر؛ وبعد أن بينا أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو ما يباح للعبيد المملوكين النظر إليه من المرأة الحرة، وما يباح النظر إليه من الإماء،
_________________
(١) نهاية الزين ١/ ٤٧.
(٢) فتح العلام بشرح مرشد الأنام (١/ ٣٤).
[ ١٦٥ ]
فإنه إن وجد من الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالًا للقاعدة الأصولية التي تقول:
(أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧):
وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، إنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
[ ١٦٦ ]