_________________
(١) :: مناقشة البحث الأول:: أولا: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٩ أنكر الشيخ الألباني أن هذه الآية تقتضي تغطية الوجه محتجا على رأيه بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين وهو قول الراغب الأصبهاني في "المفردات": "دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما إلى الآخر"! مع أن هذا القول ليس فيه نفي لدلالة هذه الآية على تغطية الوجه؛ فإن إدناء الشيء من الآخر هو تقريبه إليه؛ فإذا كان الجلباب على الرأس فوق الخمار فإلى أي شيء سيقرّب إن لم يقرّب إلى الوجه ويدنا عليه حتى يغطيه؟! ومع ذلك فإن هذا فقط ما احتج به الشيخ الألباني من أقوال أهل اللغة! فإنه قد ثبت عند من هم أئمة في اللغة بأن المراد بالإدناء في الآية تغطية الوجه: - قال إمام العربية (إمام الكوفة في النحو واللغة) أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧) في كتابه معاني القرآن (٢/ ٣٣٧): والجلباب؛ الرداء. حدّثنا أبو العبّاس قال حدثنا محمد قال: حدّثنا الفرّاء، قال حدّثنى يحيى بن المهلّب أبو كدينة عن ابن عون عن ابن سيرين في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ هكذا: قال تغطّى إحدى عينيها وجبهتها والشّقّ الآخر، إلا العين.
[ ٢٩ ]
- وقال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر (ت ٣٣٨ هـ) في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.
- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٣/ ٥٦٠): ومعنى (يدنين عليهن من جلابيبهن) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.
- وقال نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري في تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٥/ ٤٧٦): ومعنى (يدنين عليهن) يرخين عليهن. يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. . . فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه.
- وقال الإمام النحوي المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٥٠): (يدنين عليهن) شامل لجميع أجسادهن، أو "عليهن" على وجههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه.
- وجاء في معاني المعروف في القرآن/ ٢٨: أمرها الإِسلام بوضع الخمار أو الجلباب عليها، لكي لا تُعرف فلا تُؤذى: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا
[ ٣٠ ]
يُؤْذَيْنَ﴾ الأحزاب: ٥٩ وفي الحديث الصحيح الوارد في قصة الإفك عن عائشة ﵂ أنها قالت. . . فخمرت وجهي بجلبابي. . . " الحديث.
وبذلك يتبين خطأ الشيخ الألباني ومخالفته لما عليه أهل اللغة في تأويلهم لمعنى (يدنين عليهن) بـ (يغطِّين وجوههن) وأنه لا يخالف معنى أصل هذه الكلمة: " الإدناء" لغة (^١)!
_________________
(١) دلالة هذه الآية على تغطية الوجه تتضح أيضا بالقرائن الآتية: ١) أن الله تعالى لم يقل (يتجلببن) وإنما قال (يدنين) فالأمر بإدناء الجلباب أمر زائد على لبس الجلباب، فإذا كانت المرأة ستلبس الجلباب بوضعه على رأسها فقط فأين الإدناء والتقريب؟! فإن هذا هو الذي سيكون إذا لبسته دون اختيار منها! وعلى ذلك لم يكن لهذا الأمر (يدنين عليهن) فائدة؟! فالمرأة مأمورة بفعل زائد على لبس الجلباب على رأسها وهو إدناءه عليها وإن لم يكن إدناءه على وجهها فعلام يكون إذًا!! ٢) مجيء"مِنْ" التبعيضية قبل الجلابيب فقال تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي أن الإدناء المأمور به يكون بجزء من الجلباب، أما التجلبب ولبس الجلباب فيكون به كله لا ببعضه. قال الألوسي في تفسيره (٢٢/ ٨٩): المراد بالبعض جزءا منه وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن. ٣) قوله - ﷿ - عقب الأمر بإدناء الجلابيب ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ دل على أن الله تعالى شرع إدناء الجلابيب لصرف الأذى عنهن، ومجرد تغطية الرأس لا تمنع الأذية ولا تصرف نظر الفتنة، وإنما الذي يمنع من ذلك هو تغطية الوجه فتأمل ذلك. قال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ولا يلقين بما يكرهن لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها.
[ ٣١ ]
ثانيا: أن الشيخ الألباني أقرّ بأن إدناء الجلابيب يقتضي تغطية الوجه في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) حيث قال: (ومن هنا يظهر الضابط في نهيه - ﷺ - عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك؛ لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أيكون هذا سائغا! فإن هذا خلاف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩). اهـ
فكيف يسوغ إنكار الشيخ الألباني هنا لهذا المعنى وهو قد أقرّ به في كتابه!!
ثالثا: أن الشيخ الألباني قد احتج على قوله بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين؛ ولم يذكر ما اتفق عليه المفسرين في أكثر من أربعين كتابا في التفسير من تفسير هذه الآية بتغطية الوجه بناء على ما ورد فيها من أحاديث وآثار، ولم يتطرق لأي قول من أقوالهم في تفسير هذه الآية!! وقد كان من الأولى في تفسير آية من القرآن الرجوع إلى تأويلها في كتب التفسير، ثم الاستئناس بما يوافق هذا التفسير من كتب اللغة.
[ ٣٢ ]