- ثانيا: بعد أن تقرر أن الحجاب فُرض على الحرائر دون الإماء؛ فعليه فإنه سيكون هناك نساء كاشفات عن وجوههن لعدم فرض ذلك عليهن وهن الإماء: وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين؛ فيما ورد في بعض الأحاديث والآثار من كشف بعض النساء لوجوههن لكونهن منالإماء؛ وعدم إيجاب بعض أهل العلم تغطية الوجه عليهن إذا خرجن في الطرقات لعدم فرض ذلك عليهن وإنما يوجبون على الرجل ما أمره الله به من غض البصر، فأشكل هذا على المتأخرين فحملوه على أن المراد به جواز الكشف للحرائر من النساء.
فغياب هذه الأحكام عن الأذهان هو الذي أحدث اللبس عند المتأخرين في مسألة الحجاب وحدود عورة المرأة، إذ إنه لا خلاف حقيقة بين الأئمة الأربعة ومن تقدم من الفقهاء في وجوب الحجاب وتغطية الوجه على النساء الحرائر، وإنما نشأ الخلاف بين من تأخر من فقهاء المذاهب بناء على ما ذكرنا، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مناقشة البحوث القادمة إن شاء الله.
- ثالثا: احتج الشيخ الألباني على إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء بالآتي:
١) بعد أن نقل عن البيهقي قوله" والآثار عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في ذلك صحيحة" استشهد بقول ابن حزم فقال: وقد صرح ابن حزم فيما بعد (٣/ ٢٢١) بأنه لم يخف عليه هذا، قال: " ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله - ﷺ - " اهـ
وهذا يوهم أن ابن حزم لم يقبل ما صح عن عمر من تفريقه بين الحرائر والإماء في تغطية الوجه (التقنع)! والصحيح أن الذي أنكره ابن حزم هو قول من قال
[ ١٢٩ ]
بأن للأمة أن تصلي مكشوفة الشعر احتجاجا بما ورد عن عمر، لا أنه ينكر على من فرق بينهن في الحجاب عند الخروج، بل إنه أكَّد أن ما ورد عن عمر كان في التفريق بينهن في لبس الجلابيب عند الخروج؛ وليس في عورة الصلاة.
قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢): لم يخف علينا ما روي عن عمر ﵁ في خلاف هذا (^١) وعن غيره، ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله - ﷺ -
وإذا تنازع السلف ﵃ وجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه من القرآن والسنة وليس في القرآن ولا في السنة فرق في الصلاة بين حرة ولا أمة مع أن الذي عن عمر في ذلك؛ إنما هو في خروجهن لا في الصلاة، فبطل تمويههم بعمر. وقال في موضع آخر من المحلى (٢/ ٢٥٢): فإن قالوا: قد جاء الفرق في الحدود بين الحرة والأمة. قلنا: نعم، وبين الحر والعبد؛ فلم ساويتم بين الحر والعبد فيما هو منهما عورة في الصلاة، وفرقتم بين الحرة والأمة فيما هو منهما عورة في الصلاة، وقد صح الإجماع والنص على وجوب الصلاة على الأمة كوجوبها على الحرة في جميع أحكامها، من الطهارة، والقبلة، وعدد الركوع، وغير ذلك، فمن أين وقع لكم الفرق بينهما في العورة. اهـ
_________________
(١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة /٩٤: "يشير إلى ما ورد عن عمر - ﵁ - من التفريق بين الحرة والأمة في التخمر". اهـ ولا يصح نسبة ذلك لعمر - ﵁ - لأنه لم يثبت عنه أنه كان ينهى الإماء عن التخمر!! وإنما صح عنه أنه كان ينهاهن عن التقنع - تغطية الوجه - محافظة على زي الحرائر.
[ ١٣٠ ]
فقد بالغ بعضهم في ذلك التفريق حتى جعل عورتها كعورة الرجل من السرة إلى الركبة! (^١) وهذا هو الذي ينبغي أن يُنكر لأنه لا صحة له في الشرع! ولكن لا يكون ذلك حجة لرد ما ثبت في الشرع من التفريق بين الحرائر والإماء في ستر الوجه!
_________________
(١) هل يصح ما تناقلته كتب الفقه من أن عورة الأمة من السرة إلى الركبة؟ وما دليلهم على ذلك؟ لا يصح ما تناقلته كتب الفقه من أن عورة الأمة كعورة الرجل من السرة إلى الركبة، لأنه لا يوجد أصل صحيح يعتمد عليه في ذلك: ١) قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (٢/ ٩٢): وأما الذي روي عن محمد بن كعب عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - في الرجل يشتري الجارية لا بأس أن ينظر إليها إلى عورتها، وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها. فإنه إنما رواه عنه عيسى بن ميمون وصالح بن حسان وكلاهما ضعيف. اهـ ٢) استدلالهم بحديث عمرو بن شعيب؛ عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال "إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا ينظرن إلى عورتها" أبو داود ٤/ ٦٤ (٤١١٣) وحسنه الألباني. وهذا ليس فيه تحديد لعورتها، بل يصح هنا أن يقال إن عورتها عند سيدها بعد أن تزوجت كما ذكر بعض أهل العلم؛ كالمرأة مع محارمها. كما قال البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٩٤): والصحيح أنها لا تبدي لسيدها بعد ما زوجها ولا الحرة لذوي محارمها إلا ما يظهر منها في حال المهنة. أما الرواية الأخرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال" إذا زوج أحدكم خادمه - الخادم يراد به الأمة - عبده أو أجيره فلا ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة" أبو داود ٤/ ٦٤ (٤١١٤) وحسنه الألباني. فهذا يؤول على ما تنظر إليه الأمة من سيدها بعد أن زوجها عبده أو أجيره، وليس ما ينظر إليه السيد منها، يشهد لهذا أن النضر بن شميل رواه عن سوار أبي حمزة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال" إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة". سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٤ قال البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦): وسائر طرق هذا الحديث يدل وبعضها ينص على أن المراد به نهي الأمة عن النظر إلى عورة السيد بعد ما زوجت أو نهي الخادم من العبد أو الأجير عن النظر إلى عورة السيد بعد ما بلغا النكاح فيكون الخبر واردا في بيان مقدار العورة من الرجل لا في بيان مقدارها من الأمة. اهـ يشهد لذلك أن بعضهم استشهد به في بيان مقدار عورة الرجل كما في نصب الراية لأحاديث الهداية (١/ ٢٩٨) وفي مغني المحتاج (١/ ١٨٥) حيث استشهد به ضمن الأحاديث التي تحدد مقدار عورة الرجل. * قال الشيخ الألباني في الثمر المستطاب (١/ ٣٢٤) بعد أن بين عورة المرأة في الصلاة: واعلم أنه لا فرق في ذلك بين الحرة والأمة لعدم وجود دليل الفرق، نعم جاءت بعض الأحاديث في الفرق لكنها ضعيفة الأسانيد لا تقوم بها حجة وقد بين ضعفها الحافظ ابن حجر في (التلخيص) فليراجعها من شاء. اهـ فعلم مما سبق أنه لا يصح ما تناقلته كتب الفقه من كون عورة الأمة في الصلاة كعورة الرجل، والصحيح أن عورة المرأة الحرة والأمة في الصلاة سواء، وإنما الفرق بين الحرائر والإماء في فرض الحجاب (تغطية الوجه) على الحرائر دون الإماء.
[ ١٣١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٢٧٥): الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه، ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها.
٢) استشهد الشيخ الألباني بما نقله عن أبي حيان الأندلسي على أنه ينكر أن يوجب الشارع على الحرائر زيادة تستّر مما لم يوجبه على الإماء وهن أكثر فتنة
[ ١٣٢ ]
منهن! فقال الشيخ الألباني في كتابه جلباب المرأة المسلمة/٩٢: قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٥٠): والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح. اهـ
وبالرجوع إلى كلام أبي حيان الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد يتبين أنه إنما أراد بهذا القول؛ وجوب تغطية الوجه حتى على الإماء:
قال أبو حيان في تفسير البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): " كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه وقال أبو عبيدة السلماني حين سئل عن ذلك فقال أن تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على أنفها وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ومن في ﴿مِنْ
[ ١٣٣ ]
جَلَابِيبِهِنَّ﴾ للتبعيض و﴿عَلَيْهِنَّ﴾ شامل لجميع أجسادهن أو ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه".
٣) علل الشيخ الألباني إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب؛ بأن ذلك سيكون مدعاة للافتتان بهن لأنه لم يُفرض عليهن ما يدفع عنهن الأذية! واستشهد بقول ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٤٩): وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق؛ فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يعترضوهن. قال علي: ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين، وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنى بالحرة كتحريمه بالأمة. اهـ
والجواب عليه بالآتي:
أولا: لم ينكر ابن حزم أن الله تعالى في هذه الآية أمر النساء الحرائر بتغطية الوجه دون الإماء وإنما أنكر التعليل الذي عُلل به هذا الأمر، فإنكاره للتعليل وليس للمعلل! ولذلك بيّن سبب إنكاره لهذا التفسير قائلا (لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق).
[ ١٣٤ ]
ثانيا: إن الشرع قد فرق بين الحرة والأمة في الحدود والعدة فلا غرابة أن يفرق بينهما في الحجاب؛ كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^١) النساء: ٢٥ فإن الله تعالى لما لم يأمرهن بما أمر به الحرائر من الستر مما يجعلهن أكثر عرضة للوقوع في الفواحش خفف عنهن العقوبة فجعلها نصف ما على الحرائر من العذاب.
ثالثا: أن الشرع لم يبح للأمة إلا كشف الوجه الذي لا يرى فيه الشيخ الألباني غضاضة على الحرائر، وفي إنكاره لهذا في حق الإماء تناقض وإقرار بأن كشف الوجه سيكون مدعاة للافتتان بالنساء الحرائر وعدم دفع الأذية عنهن!!
كما أن الله تعالى بعد أن أمر الحرائر بتغطية الوجه لدفع الأذية عنهن؛ لم يوقف الأمر على ذلك؛ بل أعقبه بما يدفع ما يمكن أن يتوهمه متوهم بأن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؛ فقال سبحانه دافعا هذه الشبهة محرما أذيتهن متوعدا من يتعرض لهن من الفساق ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢/ ٣٧٨) (١٢/ ١٥٩): فعلى الأمة منهن إذا زنت؛ نصف ما على الحرة البكر إذا زنت، وحد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة (مائة جلدة) وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة، لقوله تعالى: " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب".
[ ١٣٥ ]
مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ الأحزاب: ٦٠ - ٦١ فكيف يقال بعد هذا أن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؟! ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون ذلك سببا في ذلك الوقت لفرض الحجاب،
ولم يغب عنه سبحانه أنه في الأزمنة التي سيعم فيها الفساد سينقطع الرق حتى لا تبقى نساء مسلمات كاشفات الوجوه يتعرضن لإيذاء أهل الفساد.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٨٠): وأما تحريم النَّظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة؛ وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال، فكذب على الشارِع فأين حرم اللَّه هذا وأباح هذا والله سبحانه إنما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنّما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك.
كما قال الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٥): وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز هو حرام ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض وأنهم يدخلون في قوله تعالى ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ الأحزاب: ٦٠ - ٦١
[ ١٣٦ ]
٤) أنكر الشيخ الألباني أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الحرائر منهن دون الإماء؛ قياسا على عموم قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء: ٤٣ وهذا قياس ضعيف! فإن العموم ظاهر في قوله تعالى (النِّسَاءَ) حيث جاءت معرفة بـ (ال) التي تفيد الاستغراق أي تشمل جميع النساء حرائر وإماء، أما قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في آية الحجاب فإنها جاءت عارية من (ال) ولذلك فقياسها على ما عري مثلها أولى، كقوله ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ الأحزاب: ٣٠ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ البقرة: ٢٢٦
وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ المجادلة: ٢ وهذا كله مما علم أنه يراد به في الأسلوب القرآني زوجاتهم الحرائر دون الإماء.
- قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٤/ ٢٧٠ - ٢٧٣): وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة والأصل في ذلك إن الله سبحانه قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إنما عنى به الأزواج خاصة.
[ ١٣٧ ]
- قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى (ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر. اهـ
يشهد لذلك قول عائشة ﵂ "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن" (^١) فقولها (نساء المؤمنات) يدل على أن مرادها الحرائر منهن، إذ لو كانت تريد عموم النساء لقالت
(كن النساء يشهدن) كما في قولها " لو أن رسول الله - ﷺ - رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد" (^٢).
٥) أنكر الشيخ الألباني على شيخ الإسلام ابن تيمية القول باختصاص الحرائر بالحجاب فقال في جلباب المرأة / ٩٥: وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسير سورة النور" والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين زمن النبي - ﷺ - وخلفائه؛ أن الحرة تحتجب والأمة تبرز" فغريب؛ ووجه الغرابة عزو ذلك إلى سنة المؤمنين زمن النبي - ﷺ -، أي إقراره - ﷺ -، ولو صح هذا في نص صريح لكان حجة كافية في صحة دعوى الاختصاص، ودليلا واضحا على تخصيص قوله تعالى (ونساء المؤمنين) بالحرائر، ولكني لا أراه ورد فضلا عن أن يصح. اهـ
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣)
(٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣١) صحيح مسلم ١/ ٣٢٩ (٤٤٥).
[ ١٣٨ ]
فيقال؛ إن وجه الغرابة هو إنكار الشيخ الألباني لهذا الحكم الثابت بالنصوص الصريحة والصحيحة في التفريق بين الحرائر والإماء - ومنها ما شهد الشيخ الألباني على صحته كقول عمر - ﵁ - وقتادة - وهو سبق أن أقرَّ به وقال بمثل قول شيخ الإسلام الذي أنكره!! فقد قال الشيخ الألباني في كتابه حجاب المرأة /٧٣: والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر - ﵁ - إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع) اهـ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه مؤخرا من إنكار اختصاص الحجاب بالحرائر دون الإماء.