(الأثر الأول)
عن قيس بن أبي حازم قال: دخلت أنا وأبي على أبي بكر وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي] امرأة بيضاء [موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر (^٢).
أولا: روي هذا الأثر موقوفا على قيس وفي رواية أخرى عند الطبراني روي عن قيس عن معاوية، فساقه الشيخ الألباني على أنه غير هذا الأثر وجعله (الأثر الخامس عشر!! (عن قيس قال: قال معاوية - ﵁ - دخلت مع أبي على أبي بكر - ﵁ - فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر - ﵁ - أبيض نحيفا فحملني وأبي على فرسين ثم عرضنا عليه وأجازنا) (^٣) وهذا اضطراب في السند يوجب ضعف هذا الأثر.
ثانيا: حمل بعضهم أن المراد من هذا الأثر أن قيسا إنما رأى كفيها التي اضطرت للكشف عنها للذب عن أبي بكر - ﵁ - كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام
[ ٢٥٤ ]
(ت ٢٢٤ هـ) في غريب الحديث (١/ ١٦٨): "إنما يراد من الحديث أنه رأى كفها".اهـ
لكن الشيخ الألباني أنكر على من قال أن كشفها عن يديها كان للضرورة فقال: كأنه لا يعلم أنها لم تكن محرمة يحرم عليها القفازان! وأن الذبَّ المذكور يمكن أن يكون باليد الواحدة، فأين الضرورة المجوِّزة للكشف عن اليدين كلتيهما!!
ومع ذلك فليس الشأن في كشفها ليديها؛ وإنما الشأن في بروزها لقيس ووالده وعدم استتارها وراء الحجاب! فإن هذا يكشف أن أسماء بنت عميس الخثعمية كانت من الإماء وليست من النساء الحرائر؛ اتخذها أبو بكر أم ولد (^١) ولذلك لم تحتجب، ومما يشهد لذلك الآتي:
١) ما روي عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال ( فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب - في الحبشة - فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا، يعني لأهل السفينة: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي - ﷺ - زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فلما جاء النبي - ﷺ - قالت: يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟ قال (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم -
_________________
(١) أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وأتت بولد، كما في معجم لغة الفقهاء ص/٨٨.
[ ٢٥٥ ]
أهل السفينة - هجرتان) قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي - ﷺ - قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني). (^١)
فدل بروزها لعمر - ﵁ - عند دخوله على حفصة دون الاستتار وراء حجاب، وذهابها لرسول الله - ﷺ - لسؤاله، وذكرها لدخول الرجال عليها أرسالا من أهل السفينة بما فيهم من الأحرار لسؤالها عن قول رسول الله - ﷺ - لها؛ كل ذلك يدل على أنها كانت من الإماء وليست من الحرائر اللاتي لم يعهد عنهن البروز للرجال والخروج والمشي في الطرقات، ودخول الرجال عليهن بعد نزول الحجاب. وقد كان قدوم أسماء بنت عميس من الحبشة كما ذكرت حين افتتح خيبر وذلك في العام السابع من الهجرة أي بعد نزول الحجاب.
٢) ثبت عن أم عطية، عن النبي - ﷺ - قالت: (كنا ننهى أن نحد (^٢) على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا) (^٣) قال في تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: ٦٠٨): يؤخذ من الحديث وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفى، أربعة أشهر وعشرًا.
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ١٣٧ (٤٢٣٠) (٤٢٣١) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٦ (٢٥٠٣).
(٢) الإحداد في الشرع هو ترك الطيب والزينة.
(٣) صحيح البخاري (١/ ٦٩)
[ ٢٥٦ ]
وقال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) في إحكام الأحكام (٢/ ١٩٦): يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا إحداد على الأمة المستولدة، لتعليق الحكم بالزوجية.
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٧/ ٥٠٦): وأجمعوا أن أم الولد لا إحداد عليها إذا توفى سيدها، والحجة في ذلك أن الأحاديث إنما جاءت فى الأزواج، وأم الولد ليست بزوجة، ذكر هذا كله ابن المنذر.
وجاء في الجامع لعلوم الإمام أحمد (١١/ ٥٣٤): هل على أم الولد إحداد؟ قال سفيان: إذا مات الرجل عن سريته، تخرج وتطيب وتُخطب، ولكن لا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض.
وقد أخرج أحمد في مسنده (٤٥/ ٢١): عن أسماء بنت عميس قالت: (لما أصيب جعفر أتانا النبي - ﷺ - فقال: " تسلبي (^١) ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت") وفي رواية عنها قالت: (دخل علي رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: " لا تحدي بعد يومك هذا ") (^٢) صححه الإمام أحمد، وابن الملقن في التوضيح (٢٥/ ٥٥٣) والعيني في نخب الأفكار (١١/ ١٥٣).
_________________
(١) تسلبي: أي البسي ثياب الحداد السود. تهذيب اللغة (١٢/ ٣٠٢) تاج العروس (٣/ ٧٢).
(٢) قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ٦٨٤): (إسناده صحيح، وقد أعله البيهقي بالانقطاع بين عبد الله بن شداد وأسماء، وبمحمد بن طلحة! أما الانقطاع؛ فدعوى باطلة؛ فإن عبد الله من كبار التابعين الثقات، ولد على عهد النبي وأسماء خالته، ولم يُرم بتدليس. وأما محمد بن طلحة؛ فهو من رجال الشيخين، وفيه كلام يسير لا يسقط به حديثه، ولذلك جزم الذهبي في "المغني " بأنه ثقة. ولذلك قوى إسناده ابن حجر في "الفتح " وذكر عن أحمد أنه صححه). اهـ
[ ٢٥٧ ]
وبذلك ثبت أنها لم تكن من النساء الحرائر ولذلك لم يجب عليها الإحداد. ولصحة هذا الحديث ومخالفته لما صح عن أم عطية في وجوب الإحداد أربعة أشهر وعشرا؛ تجد أن بعض أهل العلم قد أوّلوا هذا الحديث بعدة تأويلات في غاية البعد والضعف، رغم أنه ليس هناك ما ينفي أنها كانت أم ولد لأبي بكر، ولا ما يثبت أنها كانت زوجة له من الحرائر!!
قال المغربي في البدر التمام شرح بلوغ المرام (٨/ ١٩٥): أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي - ﷺ - أن تبكي على جعفر وهي امرأته، فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام، أن تطهري واكتحلي. قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد؛ لأنه بعدها، فإن أم سلمة أمرت بالإحداد بعد موت زوجها، وموته متقدم على قتل جعفر ﵄. وقد أجيب عن هذا بأجوبة منها؛ أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. ولا يخفى ما في هذا الجواب من الركَّة. ومنها أن جعفرا قتل شهيدًا،
والشهداء أحياء عند ربهم. وهذا كذلك، فإنه كان يلزم جريه في حق غيره من الشهداء كحمزة وغيره. ومنها أن أحاديث وجوب الإحداد ناسخة لهذه الأحاديث المبيحة. ذكره الطحاوي، ودعوى النسخ لا تصح مع ما قد عرفت من تأخر قصة أسماء بنت عميس، بل الأمر بالعكس. ومنها أنه يحتمل أن أسماء فعلت من الإحداد قدرا زائدا على ما يجب عليها، فنهيت بعد الثلاث عن ذلك الزائد، ووسع لها في الثلاث لشدة ما ألم بها من المصيبة. ومنها أنه يحتمل أنها كانت حاملًا فوضعت بعد الثلاثة الأيام فانقضت عدتها، وحديث: "تسَلَّبي ثلاثا". يحمل على أنه - ﷺ - اطلع على أن عدتها تنقضي بعد الثلاث، ويكون
[ ٢٥٨ ]
من أعلام النبوة. ومنها أنه يحتمل أنه كان قد أبان طلاقها، فتكون عدتها عدة طلاق ولا إحداد عليها وهذه الأجوبة لا يخفى عليك ما فيها. اهـ
ولو قيل أنها أم ولد لجعفر ولذلك لم يجب عليها الإحداد عليه فوق ثلاث؛ لزالت تلك المعارضة ولأمكن الجمع بين الأحاديث. ثم إن أبا بكر اتخذها بعد ذلك أم ولد له أيضا ولم تكن زوجة له من الحرائر ومما يثبت ذلك:
١) ماجاء في تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٧): كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا، فرغب الناس حينئذ في السراري.
٢) ما جاء في صحيح مسلم (٤/ ١٧١١): أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله قد برأها من ذلك) ثم قام رسول الله - ﷺ - على المنبر فقال: (لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيّبة (^١)، إلا ومعه رجل أو اثنان).
_________________
(١) المغيّبة هي التي غاب عنها زوجها والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد. كما في شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٥)
[ ٢٥٩ ]
فلما كان الحجاب حائلا دون الدخول على النساء الحرائر منهي عنه بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبقوله - ﷺ - (إياكم والدخول على النساء) (^١) فالسماح لدخول جمع من الرجال يدل على أن من أُذن في الدخول عليهن هن ممن لم يفرض عليهن الحجاب من الإماء.
٣) ما أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ١٧٩) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٥/ ٢٣١): عن أسماء بنت عميس قالت: (غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -) (^٢) ففي مشاركتها لعلي بن أبي طالب - ﵁ - في تغسيل فاطمة - ﵂ - دليل على أنها ليست ممن ضرب عليهن الحجاب من الحرائر. وهذا يسقط الاحتجاج بهذا الأثر.