(عن عطاء بن أبي رباح يقول رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا). (^٢) قال الشيخ الألباني - غفر الله له -: ولعل متنطعا يرد دلالة الحديث على أن الكفين ليسا بعورة، فيقول: كانت تلبس القفازين!!
فنقول مع أن هذا الأثر ليس فيه حجة على جواز كشف الوجه لأنه ليس فيه إلا رؤية الكفين، ومع ذلك فإن من المتفق عليه عند أهل العلم أن الحجاب واجب على أمهات المؤمنين دون استثناء لوجه أو كف، وأنهن لم يكن يبرزن للرجال الذين يجب عليهن الاحتجاب منهم ولو كن مستترات بالجلابيب كما أسلفنا؛ فكيف يسوغ الاستشهاد بهذا الأثر على أنها كانت كاشفة لكفيها على مرأى من
_________________
(١) صحيح مسلم (١٦١٠).
(٢) تقليد البدنة: أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي. وأصل القلد: الفتل، يقال قلدت الحبل، إذا فتلته. مقاييس اللغة (٥/ ١٩) تاج العروس (٩/ ٦٩)
[ ٢٧٠ ]
رجل حر أجنبي يجب عليها الاحتجاب منه؟!! ولذلك يُبطِل الاستشهاد بهذا الأثر أمران:
الأول؛ قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٢١): ذكر عبد الرزاق قال حدثنا عمر بن ذر قال سمعت عطاء بن أبي رباح يقول (رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا) ولم أجده بهذا اللفظ في مصنف عبد الرزاق ولا في غيره! ولذلك عزاه الشيخ الألباني لابن عبد البر في حاشية جلباب المرأة ص/١٠١ فقال (كذا في "التمهيد" لابن عبد البر "١٧/ ٢٢١") ولم يجزم بعزوه لعبدالرزاق!! ولعل ابن عبد البر أراد ما رواه البخاري (٧/ ١٠٢) ومسلم (٢/ ٩٥٩): عن مسروق قال: سمعت عائشة، وهي من وراء الحجاب تصفق، وتقول: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - بيدي) (^١) فقد ذكره في كتابيه التمهيد والاستذكار، وهذا هو الثابت في الصحيحين كذلك عن الأسود وأبي قلابة أنهم سمعوه من عائشة، كما رواه عنها عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعمرة بنت عبد الرحمن.
الثاني: أن عطاء بن أبي رباح كان من الموالي (عبد مملوك) قال ابن المديني: هو مولى حبيبة بنت ميسرة بن أبي خيثم. (^٢) ولذلك فليس في هذا الأثر حجة على
_________________
(١) انظر: تقريب التهذيب ١/ ٣٩١، التاريخ الكبير ٦/ ٤٦٣ وقال فيه (١/ ٤٤٦): كان عطاء بن أبي رباح أسود شديد السواد.
[ ٢٧١ ]
جواز كشف الكفين للرجال الأحرار الأجانب، هذا على فرض صحة هذا الأثر، وعلى فرض ثبوت رؤيته لكفيها؛ لأن قول عطاء قد يكون من باب الإخبار بأنه رأى القلائد التي فتلت دون أن تكون وقعت منه الرؤية لها عند فتلها، فأراد الإخبار أنها كانت تفتل القلائد للهدي؛ ولم يكن مراده الإخبار بوقوع النظر منه لها عندما كانت تفتلها.