(عن محمد بن يزيد الواسطي عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم (^١) قال رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي - ﷺ - عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر). (^٢)
_________________
(١) تمييز: من روى عنه الترمذي آخر وهو: عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن بن عجلان التميمي النهشلي الكوفي الكسائي مات سنة إحدى وخمسين ومائتين. (تهذيب التهذيب ٨/ ١٩٧).
(٢) أبو بلج هذا هو جارية بن بلج التميمي الصغير، وقد وهم من قال إنه يحيى بن أبي سليم، كما نقل الدارقطني في المؤتَلِف والمختَلِف (١/ ٢٢٠): أبو بلج جارية بن بلج روى عن لبي بن لبا وسمراء بنت نهيك، روى عنه هشيم ومحمد بن يزيد سمعت يحيى بن معين يقول: أبو بلج الذي روى عنه محمد بن يزيد الواسطي اسمه جارية بن بلج، وأبو بلج الكبير يحيى بن أبي سليم. اهـ ويحيى بن أبي سليم ليست له رواية عن سمراء بنت نهيك ولم يرو عنه محمد بن يزيد الواسطي. فثبت أن الذي روى هذا الأثر عن سمراء بنت نهيك هو أبو بلج؛ جارية بن بلج التميمي، وقد ذكره ابن حجر في التقريب واللسان، والمزي في تهذيب الكمال، وأبو حاتم في الجرح والتعديل؛ دون جرح له أو تعديل إلا قول ابن حجر في لسان الميزان (٧/ ٤٥٥): شيخ ليزيد بن هارون.
[ ٢٧٥ ]
قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٨٦٣: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها، روى عنها أبو بلج جارية بن بلج. اهـ
وهذا يشهد أن سمراء بنت نهيك كانت من الإماء؛ لأن المشي في الأسواق كان من عادة الإماء دون الحرائر، كما أسلفنا مما ورد عن عمر - ﵁ - (لما رأى أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر، فدخل على حفصة ابنة عمر فقال: "من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال"؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: "فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر، فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها".
قال ابن عبد البر في الاستذكار ٨/ ٥٤٢: وإنما كره عمر للإماء أن يتهيأن بهيئة الحرائر لئلا يظن أنهن حرائر فيضاف إليهن التبرج والمشي وينسب ذلك منهن إلى ما وقع الظن عليهن فيأثم بذلك الظان، ومعلوم أن الإماء ينصرفن في خدمة ساداتهن فيكثر خروجهن لذلك وتطوافهن، وقوله تجوس الناس معناه تجول في أزقة المدينة مقبلة ومدبرة.
كما أنها كانت من القواعد يشهد لذلك قول ابن عبد البر السابق (سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت) وهذا سبب خروجها بلا جلباب، كما ذكر أبو بلج أنه إنما رأى عليها درعا وخمارا، ولكن الشيخ الألباني أوّل معنى الدرع هنا إلى الجلباب فقال: الدرع هنا فيما يبدو لي هو الجلباب؛ ففي كتب
[ ٢٧٦ ]
اللغة" درع المرأة قميصها" ومن معاني القميص الجلباب (^١)! لكنه لم يرد في أيّ من كتب اللغة أن من معاني الدرع الجلباب!! كما أن المتعارف عليه في عرف الصحابة أن الدرع للمرأة يطلق على الثوب الملاصق للبدن، أما ما تلبسه فوق الثياب فهو الملحفة والرداء والجلباب، كما سيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث الثامن. وبذلك يسقط الاستشهاد بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر.