(عن أنس بن مالك قال دخلت على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها عتقت قالت لا قال فما بال الجلباب ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب بها رأسها حتى ألقته عن رأسها) (^٣).
أولا: استشهاد الشيخ الألباني بهذا الأثر فيه إقرار لما أنكره مسبقا من التفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب.
_________________
(١) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٦٧/ ٧٩
(٢) طبقات المدلسين ١/ ١٩ - لسان الميزان ١/ ٢٩٥ - ميزان الاعتدال ١/ ٢٩٦.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤١، صححه الألباني في جلباب المرأة /٩٩.
[ ٢٦٧ ]
ثانيا: سبق أن بينا في بداية مناقشة هذا البحث أن هذا الأثر يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه؛ وبيان ذلك من عدة وجوه:
١ - أن سبب معرفة عمر - ﵁ - لها ليس لكونها كانت كاشفة عن وجهها؛ وإنما كان سبب معرفته لها ما بيّنه أنس بقوله (قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار) لأنه لو قال" دخلت على عمر بن الخطاب أمة وعليها جلباب فسألها عتقت" لكان لقول الشيخ الألباني وجه حق، ولكن قول أنس هذا يؤكد أنها كانت مغطية لوجهها فأراد أن يبين سبب معرفة عمر لها، ولو لم يكن كذلك لما كان لقول أنس هذا فائدة، ولما احتاج أن يعلل معرفته لها؟!
٢ - أن عمر - ﵁ - ضربها حتى ألقت الجلباب عن رأسها؛ فلو كان الجلباب على رأسها فوق الخمار دون أن تكون مغطية به وجهها فما الذي سينكشف إذا ألقته عن رأسها حتى يعد هذا المنكشف منها هو الفارق بين الحرائر والإماء؟!
٣ - أن أنس صرح بأنها كانت متقنعة بالجلباب وقد سبق أن بيّنا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه، وكان الشيخ الألباني يقول بذلك كما في كتابه حجاب المرأة، ولكنه عاد مؤخرا في كتابه الجلباب فعدل عن رأيه! كما في كتابه الجلباب/ ١٠٣: (وجاءت المرأة متقنعة) قال في حاشيته: "كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك"!
[ ٢٦٨ ]
٤ - يشهد لما ذكرنا: ما روي عن عمر - ﵁ - أنه رأى- وهو يخطب الناس- أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر (متقنعة) فلما انصرف دخل على حفصة ابنة عمر فقال: من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها. (^١)
فها هو عمر - ﵁ - لم يعرف جارية ابنه عبد الرحمن لما كانت متقنعة بالجلباب. فهل بعد هذا حجة على أن التقنع لا يعني تغطية الوجه، وأنه مما افترض على الحرائر دون الإماء!