والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة).
كما أنه مخالف أيضا لما نقله عن الألوسي في هامش تلك الصفحة: " ثم أعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك".
ثانيا: أن ذلك مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية الأمر بإدناء الجلابيب كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها" (^١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة (ص ٨٣): شبهت الأكسية في سوادها بالغربان.
فالثابت أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب هي المرط السود:
_________________
(١) عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره ٣/ ١٢٣ وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٧٨٤) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.
[ ٤١١ ]
أخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - فكأنما على رؤوسهن الغربان) وفي رواية (ما منهن امراة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجزت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فاصبحن يصلين وراء رسول الله - ﷺ - الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان). (^١)
قال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٤٥٤): قولها: فأصبحن على رؤوسهن الغربان. تريد: أن المروط كانت من شعر أسود فصار على الرؤوس منها مثل الغربان، ومما يوضح هذا حديث عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) (^٢)
يشهد لذلك أيضا ما جاء في مسند أحمد (٤٢/ ٤٢٢) (٢٥٦٢٨): (عن عائشة " أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وعليه مرط من هذه المرحلات،
وكان رسول الله - ﷺ - يصلي وعليه بعضه، وعلي بعضه" والمرط من أكسية سود) (^٣)
_________________
(١) الدر المنثور (٦/ ٦٦٠)، ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٤٠٦) حسن إسناده علوي السقاف في تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن (ص: ٣٢٣)، ابن مردويه كما في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٤٣٢).
(٢) صحيح مسلم (٤/ ١٨٨٣).
(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم. كما قال شعيب الأرنؤوط في تخريج مسند أحمد (٤١/ ٢١٢) وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٢١٢): إسناده حسن صحيح.
[ ٤١٢ ]
قال العيني في عمدة القاري (٤/ ٨٩): وفي (مجمع الغرائب) المروط: أكسية من شعر أسود. (^١)
ومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) (^٢)
وفي تاج العروس (٢٢/ ١٥٥): اللفاع وهو الكساء الأسود. وفي معجم متن اللغة (٥/ ١٩٤): اللفاع: الملحفة أو الكساء الغليظ تتلفع به المرأة، وزاد بعضهم الأسود.
_________________
(١) وقال: وقال في المحكم (٩/ ١٧٠) وقيل: هو الثوب الأخضر. قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٥٥): وقيل لا يسمى مرطا إلا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلا النساء وهو مردود بقوله (مرط من شعر أسود). اهـ لكن قد جاء في تهذيب اللغة للهروي (ت ٣٧٠ هـ) (١٣/ ٢٥): العرب تسمي الأسود أخضر. وفي جمهرة اللغة لابن دريد (ت ٣٢١ هـ) (١/ ٥٨٦): والعرب تسمي الأسود أخضر. قال الشاعر: (وراحت رواحا من زرود فنازعت زبالة سربالا من الليل أخضرا) وقال الله ﷿: ﴿مدهامتان﴾ أي سوداوان لشدة خضرتهما يعني الجنتين. كما جاء في المعجم الاشتقاقي المؤصل (٢/ ١٠٨٦): ﴿عاليهم ثياب سندس خضر﴾ الإنسان: ٢١ عرفوا (السندس) بأنه رقيق الديباج، وقال الليث إن الديباج هو الصوف اللين، أو الزغب، الذي يخلص من بين شعر العنز). ونضيف إلى وصفه ما يؤخذ من قول الراجز: (وليلة من الليالي حندس لون حواشيها كلون السندس) -الحندس: شديد الظلام - من أن السندس عرف باللون الأسود أو ما يقاربه. وقد وصفه القرآن الكريم بالخضرة ﴿ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق﴾ الكهف: ٣١ و"العرب تقول لكل أسود أخضر ولكل أخضر أسود.
(٢) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.
[ ٤١٣ ]
ثالثا: أن الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني علاوة على ما في أسانيدها من العلل؛ فإن المراد بها الملاحف والأردية التي تتخذها النساء في البيوت كما أسلفنا؛ وليست الجلابيب التي تدنيها النساء عليهن عند الخروج، وبيان ذلك بالآتي:
١ - استشهد أولا بقوله - ﷺ - (طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ) وهذا ليس فيه دلالة! فإن الطيب مما يحرم على المرأة الخروج به عند الرجال الأجانب! ولو خرجت به لكونه لون لا ريح له فسيستره الجلباب!
٢ - عن إبراهيم وهو النخعي (أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر) (^١) على فرض صحة هذا الأثر فليس فيه حجة؛ لأن رؤية إبراهيم النخعي لهن كان بدخوله عليهن؛ فلا يؤخذ منه جواز الخروج بهذه اللحف الحمر. كما أن دخول إبراهيم النخعي عليهن ورؤيته لهن كان بسبب صغر سنه ولم يثبت أنه رأى من أزواج النبي - ﷺ - إلا عائشة ﵂، ومع ذلك لم يثبت له سماع منها لصغر سنه كما في جامع التحصيل
(١/ ١٤١): (قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم؛ إبراهيم النخعي دخل على عائشة ﵂ وهو صغير، زاد الرازيان؛ ولم يسمع منها شيئا).
_________________
(١) أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر (زياد بن كليب) عن إبراهيم النخعي؛ وفي هذا الإسناد علة وهي عنعنة سعيد بن أبي عروبة وهو مدلس كما وصفه بذلك ابن حجر في التقريب (١/ ٢٣٩)، وضعّفه علي بن المديني كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١) فقال: إبراهيم النخعي لم يلق أحدا من أصحاب النبي - ﷺ -، قيل له فعائشة، قال هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف. اهـ
[ ٤١٤ ]
وفي التاريخ الكبير (١/ ٣٣٣) والثقات لابن حبان (٤/ ٩): عن أبي معشر أن النخعي حدثهم أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبا أحمر، فقال له أيوب وكيف دخل عليها، قال كان يحج مع عمه وخاله فدخل عليها وهو غلام.
فسؤاله عن كيفية دخوله عليها يؤكد أنه لم يكن لأحد أن يدخل عليهن ويكلمهن إلا من وراء حجاب (^١)؛ فيكون دخول إبراهيم مع علقمة والأسود للسماع من عائشة ﵂ من وراء الحجاب، واخترق إبراهيم الحجاب لصغر سنه ونظر إليها.
٢ - عن ابن أبي مليكة قال: (رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر). أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) وفي إسناده علّه فإن ابن أبي مليكة لم يدرك أم سلمة كما قال القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ٨٤) وعلى فرض أنه أدركها؛ فسيكون دخوله عليها في صغره. ومع ذلك فليس فيه حجة، لأن ابن أبي مليكة لم يصرح بخروجها بهذه الملحفة المعصفرة، بل إن رؤيته لدرعها -
ثوبها- المعصفر يؤكد أن ذلك كان بدخوله عليها لأنها لو كانت خارجة لما استطاع رؤية درعها لأن الجلباب سيستره.
_________________
(١) قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب. وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.
[ ٤١٥ ]
٣ - عن القاسم (أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة). وفي رواية عنه: (أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة).
وهذا ليس فيه حجة أيضا فليس في الأثر ما يثبت خروج عائشة بهذه الثياب المعصفرة، والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، فهو ممن يدخل عليها ويراها دون حجاب فلا حجة في رؤيته لثيابها المعصفرة وهي محرمة.
٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر (أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة). وهذا أيضا ليس فيه حجة، فإن الذي رأى هذه الثياب المعصفرة هي امرأة.
٥ - عن سعيد بن جبير: (أنه رأى بعض أزواج النبي - ﷺ - تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة). وإسناده لا يصح؛ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٦٠) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠) عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن سعيد بن جبير؛ وهو كالأول آفته سعيد بن أبي عروبة ضعفه ابن معين كما أنه مدلس وقد عنعن، فلا يصح بذلك ولا تقوم به حجة. ولعل الشيخ الألباني وهل عن أن أزواج النبي - ﷺ - لم يكن يخرجن بالنهار ينظر إليهن الرجال حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، بل وحتى في الحج أو العمرة لم يكن يخالطن الرجال ومن ذلك ما استشهد به هو في كتابه الجلباب ص ١٠٩: (أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي - ﷺ - في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال كان عثمان ينادي ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر
[ ٤١٦ ]
إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد) (^١)
بل ولم يكنَّ يخاطن الرجال حتى في الطواف؛ فإما أن يطفن وهن راكبات في الهوادج من وراء الناس كما روي عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة "وفي رواية" فقال لها رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون" (^٢)
وإما أن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن معتزلات عن الرجال كما روي عن عطاء قال (كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (^٣) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال). (^٤)
قال المهلب: قول عطاء قد طاف الرجال مع النساء؛ يريد أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال، لأن سنتهن أن يطفن ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم.
وبذلك فلا يصح قول الشيخ الألباني (ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير السواد) إذ ليس لقوله هذا مستند شرعي
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢١٠ حسن الألباني إسناده في جلباب المرأة /١٠٩.
(٢) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٤٠)، ٢/ ٥٨٧ (١٥٤٦).
(٣) حجرة: أي ناحية من الناس معتزلة وقيل بمعنى محجورا بينها وبين الرجال بثوب ونحوه.
(٤) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).
[ ٤١٧ ]