تغطية وجوههن بالتقنع بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه وعطفه على الأنف لستر الوجه.
قال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): قال المفسرون يغطين وجوههن إلا عينًا واحدة، فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى، وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
وبذلك تبين أنه لاصحة لما نسبه الشيخ الألباني لرواة هذا الحديث من إباحتهم لكشف الوجه للنساء الحرائر.
ثالثًا: جاء في متن حديث عائشة ﵂ إشكال يحتاج إلى توضيح؛ كدخول أسماء بنت أبي بكر ﵂ على النبي - ﷺ - دون حجاب! ودخولها عليه بثياب رقاق!
(١) أما دخول أسماء على النبي - ﷺ - دون حجاب؛ فهو يستوجب أن يكون هذا الحديث قبل نزول الحجاب، إذ لو كان بعد الحجاب لسترها الجلباب الذي ستلبسه وجوبا للآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ والذي صورت أم سلمة ﵂ امتثال النساء لهذا الأمر بقولها (لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان
[ ٣٦٠ ]
من أكسية سود يلبسنها) (^١)
وأكدت ذلك أسماء بنت أبي بكر ﵂ فقالت " كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام" (^٢) وقالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية فخرجت متلفعة (^٣) بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة). (^٤)
ولهذا حمل بعض أهل العلم هذا الحديث على فرض صحته على ما قبل الحجاب؛ كابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) في المغني (٧/ ١٠٢) حيث قال" وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه".
ولكن هذا يشكل عليه أن النساء قبل نزول الحجاب كن يسدلن خمرهن ورائهن فتنكشف نحورهن (^٥) حتى نزلت آيات الحجاب؛ فأمرن بإدناء الجلابيب لتغطية وجوههن من الرجال الأجانب، ثم أمرن بضرب الخُمر على جيوبهن في البيوت وألّا يبدين من زينتهن إلا ما في الوجه والكفين من الزينة أمام كل من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن دون حجاب من الرقيق ونحوهم قال ابن عباس - ﵁ - في قوله
_________________
(١) سنن أبي داود (٤١٠١) عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره ٣/ ١٢٣ وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.
(٢) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٢٤ (١٦٦٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٣) سبق أن بينا في الجواب عن الحديث الرابع في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.
(٤) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ والسياق له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات.
(٥) قال الفراء (كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار) من فتح الباري لابن حجر (٨/ ٤٩٠).
[ ٣٦١ ]
تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: "الزينة الظاهرة الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها" (^١)
فدل ذلك على أن هذا الحديث كان بعد الحجاب، وعليه فإن أسماء ستغطي وجهها وتستتر بالجلباب عند دخولها على أختها عائشة - كما قالت آنفا عن نفسها - فلما لم يكن هذا دل على أن هناك خطأ أو وهم من رواة هذا الحديث؛ بأن أسماء بنت أبي بكر هي التي دخلت على عائشة بهذه الثياب الرقاق؛ والصحيح: أنها ليست أسماء بنت أبي بكر؛ فإما أن تكون التي دخلت على عائشة بثياب رقاق هي جارية قاربت سن المحيض - كما سيأتي في رواية ابن جريج - أو أن عائشة هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق، يؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - قيد حديثه بمن بلغت سن المحيض كما في رواية ابن دريك (إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها) وفي رواية ابن جريج كما سيأتي (إذا عركت لم يحل لها) فدل ذلك على أن اللابسة للثياب الرقاق كانت قريبة من سن بدء المحيض، وهذا يبعد أن تكون أسماء؛ لأن أسماء ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وعائشة كان لها عند الهجرة تسع سنوات تقريبا؛ فهي الأقرب لسن المحيض، وهي الأقرب أن يقع منها ذلك لصغر سنّها.
_________________
(١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠)، البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٤ (١٣٣١٥) من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال السيوطي في الإتقان (٢/ ٥): ما ورد عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. أهـ
[ ٣٦٢ ]
(٢) أما الأمر الثاني المشكل في الحديث وهو لبس الثياب الرقاق؛ فإما أن يكون وهم من الرواة فقد جاء في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب واسعة الأكمام)، أو يكون صحيحا وعليه فإنه من المستبعد أن يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ الثياب الباطنة التي تشف عن البدن؛ للأمور الآتية:
١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات) (^١) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): "وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها". اهـ
وهذا يدل على أن الرقة في الثياب (الباطنة) الملاصقة للبدن لم تلبسها النساء على عهده - ﷺ -.
٢ - أن إطلاق لفظ (الثياب) في القرآن والحديث؛ قد يراد به الثياب الظاهرة من الخمار أو الجلباب: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): (فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن؛ يعني جلابيبهن). اهـ فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثيابا.
_________________
(١) صحيح مسلم ٣/ ١٦٨٠ (٢١٢٨)
[ ٣٦٣ ]
- ثبت أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله - ﷺ - قالت عائشة (ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات لجلدها أشد خضرة من ثوبها). (^١) وهذه عائشة ﵂ عبرت بالثوب عن الخمار.
- ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله - ﷺ - (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت). (^٢) وها هو رسول الله - ﷺ - عبر بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أوجلباب، وكذلك في الآثار الآتية:
- ورد أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها. (^٣)
- ورد أن رسول الله - ﷺ - لما اختلط رجال بالنساء في الطريق قال (استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. (^٤)
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٢١٩٢ (٥٤٨٧) ومن ذلك أيضا ما ورد عنها أنها قالت "المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها " سنن البيهقي الكبرى ٥/ ٤٧ (٨٨٣٢) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٦٩ (٤٨٣٢)
(٣) أبو داود (٤١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦٢.
(٤) أبو داود (٥٢٧٢) صححه الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ٩٣٥)
[ ٣٦٤ ]
- ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت "المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها". (^١)
٣ - لو كان المراد بالثياب الرقاق الثوب الملاصق للبدن؛ لجاء التعبير عنه بقوله (وعليها درع رقيق) لأن المتعارف عليه في زمن النبي - ﷺ - تسمية الثوب الذي تلبسه المرأة (درع) كما هو ثابت في بعض الأحاديث والآثار:
- كما ثبت عن عطاء قال: وكنت آتي عائشة ﵂ قال ورأيت عليها درعا مورَّدا. (^٢)
- وثبت عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أنه قال: "دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر ثمنه خمسة دراهم". (^٣)
- ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (^٤) ودرع وخمار) (^٥)
- ورد عن عبيد الله الخولاني وكان في حجر ميمونة زوج النبي - ﷺ - أن ميمونة " كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار". (^٦)
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى ٥/ ٤٧ (٨٨٣٢) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٢) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).
(٣) صحيح البخاري ٢/ ٩٢٦ (٢٤٨٥).
(٤) ثوب صفيق: متين. والمراد به هنا الرداء.
(٥) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.
(٦) ابن أبي شيبة في مصنفه (٦١٧١) وصححه الألباني في تمام المنة / ١٦٢. وورد عن أم الحسن قالت: "رأيت أم سلمة تصلي في درع وخمار". مصنف عبد الرزاق (٥٠٢٧) وصححه الألباني في تمام المنة /١٦٢.
[ ٣٦٥ ]
وعلى ذلك قد يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ هي الخمار، ولم نقل الجلباب لأن الجلباب لا يشف عن شيء من البدن لكونه يلبس فوق الثياب. ومما يشهد أن الرقيق الذي وقعت النساء في لبسه هو الخمار؛ ماورد " أن حفصة بنت عبد الرحمن دخلت على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا". (^١)
٤ - أن إشارة النبي - ﷺ - بيده لبيان حدود ما يباح كشفه من الوجه والكفين؛ يدل على أن ما أنكره كان للتوسع بكشف ما لا يباح كشفه في أحدهما:
١ - فإما أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره مما جاور الوجه؛ كالنحر أو الشعر، بلبس خمار رقيق يشف عن ذلك، كما في رواية خالد بن دريك (وعليها ثياب شامية رقاق).
٢ - أو أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره من الذراعين، بلبس ثياب واسعة الأكمام، كما في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام).
_________________
(١) موطأ مالك (٢/ ٩١٣)، سنن البيهقي الكبرى (٣٠٨٢). قال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول (١٠/ ٦٤٧) حديث حسن.
[ ٣٦٦ ]