_________________
(١) :: البحث الثامن:: (إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها) قال الشيخ الألباني: لقد تهافت القوم على نقد هذا الحديث وتضعيفه، مخالفين في ذلك من قوّاه من حفاظ الحديث ونقاده: كالبيهقي في "سننه"، والمنذري في "ترغيبه"، والذهبي في "تهذيبه"، وغيرهم كما اتفقوا جميعًا على مخالفته قاعدة العلماء في تقوية الحديث بالطرق والآثار السلفية - إلى أن قال بعد أن ذكر بعض عبارات التعديل لأحد رواة الحديث وهو سعيد بن بشير- فهذه النصوص من هؤلاء الأئمة لا تدل على أن سعيدًا هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به، بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه، وهذا ما صرّح به الزيلعي، فقال في "نصب الراية" (١/ ٧٤) "وأقلّ أحوال مثل هذا أن يستشهد به" وسعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في "المراسيل" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: (أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره نحوه) فهذه متابعة قوية من هشام لسعيد، فيكون إسناده مرسلًا صحيحًا، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في" التقريب": " ثقة ثبت" وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد، فقد رجحنا رواية قتادة هذه المرسلة لقوة إسنادها اتباعًا لعلم الحديث، لأن كلًا من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متنًا، ويشهد لهما الحديث الثالث عن أسماء بنت عميس - إلى أن نقل الشيخ الألباني عن أحد
[ ٣٤٩ ]
معارضيه قوله - (أن مراسيل قتادة ضعيفة لا تقوم بها حجة أبدًا) فقال الشيخ الألباني: عدم الاحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف، وإنما هو: هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ فنحن نرى تبعًا للبيهقي وغيره أن يتقوى. وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان النوع الذي لا يحتج به، ومرسل قتادة، فإنه قد عمل به أكثر العلماء. وهناك مقوٍّ ثالث لحديثنا هذا وهو أن له شاهدين مسندين من حديث عائشة وأسماء بنت عميس كما تقدم أيضًا. ومقوٍّ رابع، وهو قول أو عمل رواته به، عائشة وأسماء بنت عميس، وقتادة:
١ - أما عائشة، فقد صح عنها أنها قالت في المحرمة: "تسدل الثوب على وجهها إن شاءت" وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم.
٢ - وأما أسماء، فقد صح: أن قيس بن أبي حازم دخل مع أبيه على أبي بكر - ﵁ - وعنده أسماء، فرأياها امرأة بيضاء موشومة اليدين.
٣ - وأما قتادة، فقد قال في تفسير آية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: "أخذ الله عليهن أن يُقَنِّعنَ على الحواجب". والمعنى: يشددن جلابيبهن على جباههنَّ، وليس على وجوههن كما فسره الإمام ابن جرير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢٥ - ٢٦): "والضعيف نوعان: ضعيف لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفًا يوجب تركه، وهو الواهي. وقد يكون الرجل عندهم ضعيفًا لكثرة الغلط في حديثه، ويكون الغالب عليه الصحة، (فيروون حديثه) لأجل الاعتبار به
[ ٣٥٠ ]
والاعتضاد به، فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضًا، ولو كان الناقلون فُجَّارًا فساقًا، فكيف إذا كانوا علماء عدولًا، ولكن كثر في حديثهم الغلط؟! ولقد أبان ابن تيمية في كلمة أخرى عن تقوية الحديث الضعيف بالطرق، فقال (١٣/ ٣٤٧): "والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدًا، كانت صحيحة قطعًا، وإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد علم أن المُخْبِرَين لم يتواطآ على اختلاقه، علم أنه صحيح قال: وهذا الأصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما يُنقل من أقوال الناس". ولهذا، إذا روي الحديث من وجهين مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر، جزم بأنه حق لاسيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهما النسيان أو الغلط. وذكر نحو هذا؛ الحافظ العلائي في "جامع التحصيل" (٣٨) وزاد: "فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن" ثم قال ابن تيمية "وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ وبالحديث المرسل ونحو ذلك ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره والمرسل في أحد قولي العلماء حجة كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي الأخرى حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر" قال الشيخ الألباني: ومرسل قتادة هذا الذي نحن في صدد الكلام عليه وبيان صحته، قد توفرت فيه هذه الشروط كلها وزيادة كما تقدم بيانه فينبغي أن يكون حجة باتفاق لا خلاف فيه اهـ
[ ٣٥١ ]