متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعلى ذلك فقول ابن حجر (غطين وجوههن) ليست خطأ من الناسخ ولا سبق قلم بل إنها من قصد المؤلف يدل على ذلك قوله في موضع آخر من الفتح (٩/ ٣٢٤): (وقد قالت عائشة كما تقدم في تفسير سورة النور لما نزلت وليضربن بخمرهن على جيوبهن أخذن أزرهن من قبل الحواشي فشققنهن فاختمرن بها ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب).
أما قول الشيخ الألباني: أن (تفسير الحافظ المذكور: " غطين وجوههن" يناقض قوله: " وصفة ذلك "" فإن هذا لو طبَّقه في خماره لوجد وجهه مكشوفًا غير مغطى"!!) فليس شرطا؛ فإن ما ذكره ابن حجر من صفة ضرب الخمار بقوله" وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن" يمكن أن يقتضي تغطية الوجه، فإن المرأة سترمي طرف خمارها من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن مرورا بالوجه عدا العينين. وهذا ما عناه الحافظ ولذلك قال مؤكدا لهذا المعنى " وهو التقنع".
ثانيًا: أنكر الشيخ الألباني أن التقنع يعني تغطية الوجه؛ وقصر معناه على تغطية الرأس دون الوجه؛ مخالفا بذلك معناه عند أهل اللغة والتفسير والفقه والحديث، على أنه ليس له شاهد على ذلك إلا ما نقله من المعجم الوسيط (^١) وهو قوله: (تقنعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ١٧٨٢ (٤٤٨٠).
[ ١٠٦ ]
رأسها) هذا فقط ما احتج به الشيخ الألباني مما في كتب اللغة! وهو لفظ عام، لا ينفي كون الوجه داخلا فيما يغطيه القناع من الرأس! فإطلاق الرأس إما أن يراد به أعلاه وهو موضع العمامة من الرجل والخمار من المرأة، وإما أن يراد به الرأس كله بما فيه الوجه، وهذا المعنى هو الذي أنكره الشيخ الألباني فقصره على المعنى الأول فقط رغم ثبوت المعنى الثاني لغة وشرعا!
ومما يشهد أن التقنع يعني تغطية الوجه لغة:
- جاء في العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (١/ ١٧٠): والقناع أوسع من المقنعة وتقول ألقى فلان عن وجهه قناع الحياء.
- وفي تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (١٢/ ٢٧٩): سمّي المسافر مسافرًا لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه.
- وفي الأزمنة والأمكنة لأبي علي أحمد المرزوقي الأصفهاني (١/ ٢٠٠): أول من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، رمى بالقناع وحسر عن وجهه.
- وفي المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن سيده المرسي (١/ ٢٢٨): والقناع أوسع من المقنعة وقد تقنعت به وقنعت رأسها وألقى عن وجهه قناع الحياء. وفي موضع آخر منه (٦/ ٤٥٣): والنقاب: القناع على مارن الأنف.
[ ١٠٧ ]
- وفي مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي (١/ ٢): حسر عن وجهه القناع.
- وفي تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين بن شرف النووي (٣/ ٢٨٣): والقناع والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها من ثوب.
- وفي لسان العرب لابن منظور (٨/ ٣٠٠): والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها والقناع والمقنعة: ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها، وألقى عن وجهه قناع الحياء.
- وفي مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي (١/ ٢٠): البُرْقُع للدواب ونساء الأعراب وبرقعه فتبرقع أي ألبسه البرقع فلبسه وهو القناع.
- وفي تاج العروس (٢٢/ ٩١): والمقنع والمقنعة؛ عن اللحياني: ما تقنع به المرأة رأسها ومحاسنها، أي تغطي.
- وفي القاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس (٣٠/ ٤٣٧): "المميلات": يملن المقانع لتظهر وجوههن وشعورهن.
- المعجم الوسيط (١/ ٥١): (البرقع) قناع النساء.
[ ١٠٨ ]
*أما ثبوت ذلك شرعا:
- ففي مسند أحمد عن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: (استأذنت لأناس من أصحاب النبي - ﷺ - فأذن لهم فإذا هو مقنّع رأسه ببرد له معافري (^١) فكشف القناع عن رأسه ثم قال لعن الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (^٢). وقد ثبت أن عائشة وعبد الله بن عباس - ﵃ - فسرا هذا التقنع بتغطية الوجه حيث قالا في رواية أخرى: (لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة (^٣) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال؛ لعنة الله على اليهود ) (^٤).
- وفي مسند أحمد عن كعب بن عُجْرة قال: "ذكر رسول الله - ﷺ - فتنة فقرَّبها وعظَّمها قال ثم مر رجل متقنع في ملحفة فقال هذا يومئذ على الحق فانطلقت مسرعا فأخذت بضبعيه (^٥) فقلت هذا يا رسول الله قال هذا، فإذا هو عثمان بن عفان ﵁". (^٦) والشاهد هنا أن كعب بن عُجْرة لم يعرف عثمان - ﵁ - لما
_________________
(١) برد معافري: برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٢٠٣ (٢١٨٢٢) المعجم الكبير ١/ ١٦٤ (٣٩٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله موثقون، وحسنه الألباني في كتابه تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد.
(٣) وهي ثوب خز أو صوف معلم (النهاية في غريب الأثر ٢/ ٨١).
(٤) صحيح البخاري ١/ ١٦٨ (٤٢٥) صحيح مسلم ١/ ٣٧٧ (٥٣١).
(٥) أي بعضديه، الضبع العضد كلها وأوسطها بلحمها أو الا بط أو ما بين الا بط إلى نصف العضد من أعلاه (القاموس المحيط ١/ ٩٥٦)
(٦) مسند أحمد بن حنبل ٤/ ٢٤٢ (١٨١٤٣) سنن الترمذي (٣٧٠٤) وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٥/ ٦٢٨.
[ ١٠٩ ]
كان مقنعا رأسه، ولو كان التقنع لا يعني تغطية الوجه لما خفي عليه أنه عثمان حتى قام إليه وأخذ بضبعيه!
- وفي أثر عبيدة السلماني الذي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٦) بإسناد صحيح إليه في تفسير قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أنه لبس رداءه" فتقنع به؛ فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب".
* وهو كذلك عند المفسرين:
- قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠) والنسفي في تفسيره (٣/ ٣١٥): " ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع به.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.
* وكذلك عند أهل الحديث:
- قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) والمناوي في فيض القدير (٥/ ٢٤٠): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه.
[ ١١٠ ]
وقال ابن حجر في موضع آخر من الفتح (٧/ ٣٤٣) والعيني في عمدة القاري (١٧/ ١٣٦): قوله تقنع بثوبه؛ أي تغطّى به ليخفى شخصه لئلا يعرف.
وقال المناوي في موضع آخر من فيض القدير (٣/ ٢٥٨): التقنع بالليل ريبة أي تهمة يستراب منها فإن من وجد إنسانا متقنعا ليلا إنما يظن به أنه لص أو يريد الفجور بامرأة أو نحو ذلك وإلا لما غطى وجهه.
ثالثًا: نقل الشيخ الألباني قول الحافظ ابن حجر " التقنع: تغطية الرأس" مبتورا! فإن الحافظ ابن حجر قال في الموضع الذي أشار إليه الشيخ الألباني من الفتح (١٠/ ٢٧٤): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
وفي الموضع الآخر الذي أشار له الشيخ الألباني من الفتح (٧/ ٢٣٥) قال فيه ابن حجر: (قوله هذا رسول الله متقنعا أي مغطيا رأسه قال ولم يكن يفعل التقنع عادة بل للحاجة). اهـ وهذا يبين أنه أراد بقوله تغطية الرأس؛ تغطية الرأس بما فيه الوجه، لأنه كان من عادة رسول - ﷺ - تغطية رأسه بالعمامة وغيرها (^١)، أما تغطية الوجه فهو الذي كان رسول الله - ﷺ - لا يفعله عادة بل للحاجة.
_________________
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٣٠): كانت له عمامة تسمى: السحاب وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة والعمامة ما يلاث على الرأس تكويرا كما في المخصص ١/ ٣٩٢، والقلنسوة: غطاء للرأس تشير إلى الطاقية التى توضع تحت العمامة. كما في المعجم العربي لأسماء الملابس ص/٤٠٢.
[ ١١١ ]
رابعا: نقل الشيخ الألباني قول ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٥): (قوله مُقنَّع؛ وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب) عند شرحه لحديث البراء - ﵁ -؛ (أتى رسول الله - ﷺ - رجل مقنع بالحديد) (^١) وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: "فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلا عن القتال"!! لكن مما يضعف قول الشيخ الألباني هذا؛ أن القناع يغطي الوجه دون العينين، فالقناع لا يحول دون شيء من المشي أو القتال! ومما يؤكد أن ابن حجر يعني تغطية الوجه؛ أنه صرح بهذا المعنى للتقنع في أكثر من موضع كما أسلفنا. (^٢)
* وبذلك ثبت أن التقنع يعني تغطية الوجه، وهو إحدى الصفتين لإدناء الجلباب؛ فإن إدناء الجلباب إما أن يكون بشد الجلباب على الجبين ثم عطفه على الأنف وهو التقنع وما في معناه من النقاب والبرقع واللثام - وهي الصفة المنهية عنها المرأة حال إحرامها- أو يكون بسدل الجلباب من فوق الرأس على الوجه - وهي الصفة المشروعة للمرأة حال الإحرام-.
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ١٠٣٤ (٢٦٥٣).
(٢) ومما يشهد لكون التقنع بالحديد يعني تغطية الوجه؛ ما أخرج البخاري في صحيحه ٢/ ٩٧٦ (٢٥٨١): بعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى رسول الله - ﷺ - ليكلمه "فجعل يكلم النبي - ﷺ - فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة - ﵁ - قائم على رأس النبي - ﷺ - ومعه السيف وعليه المغفر (وفي رواية؛ قائم على رأس رسول الله مقنع في الحديد) فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي - ﷺ - ضرب يده بنعل السيف وقال أخِّر يدك عن لحية رسول الله - ﷺ - فرفع عروة رأسه وقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة " قال ابن حجر في شرح هذا الحديث في فتح الباري (٥/ ٣٤١): أن المغيرة لما رأى عروة بن مسعود مقبلا لبس لأمته وجعل على رأسه المغفر ليستخفي من عمّه عروة.
[ ١١٢ ]