عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: كان الفضل رديف رسول الله - ﷺ -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي - ﷺ -، يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (^١)
كان أول ما استشهد به الشيخ الألباني في رده المفحم هو حديث المرأة الخثعمية وهو الثاني في كتابه الجلباب/٦٢ وسنجيب عنه أولا لأن الجواب عنه هو جواب لكثير من الأحاديث والآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني فنقول:
أولا: لن نستطرد في نقل رد الشيخ الألباني على مخالفيه لضعف جوابهم عن هذا الحديث لأننا لا نخالفه في كونها كانت كاشفة عن وجهها وكان الفضل ينظر إليها
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٥٥١ (١٤٤٢) صحيح مسلم ٢/ ٩٧٣ (١٣٣٤).
[ ٢١٤ ]
معجبا بحسنها، فأنكر رسول - ﷺ - عليه ذلك بأقوى درجات الإنكار، فأخذ بذقن الفضل وصرف وجهه عنها.
ولكن الحكم الشرعي الذي أباح للخثعمية كشف وجهها والذي ذهل عنه أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثاره في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليه بعض المتقدمين لما هو معلوم عندهمبالضرورة؛ هو ما بيناه في مناقشة البحث الخامس؛ أن الحجاب (تغطية الوجه) إنما هو فرض على النساء الحرائر دون الإماء. وهذا هو سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها (أنها كانت جارية؛ أي أمة مملوكة) (^١) ولذلك لم يأمرها الرسول - ﷺ - بتغطية وجهها لعدم وجوب ذلك على الإماء، وقد يكون والدها قد أعتق عند كبر سنه فلزمته فريضة الحج ولذلك قالت (إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج). وقد جاء التصريح بأنها كانت جارية (^٢) في الرواية التي أخرجها أحمد والترمذي والبيهقي
_________________
(١) الجارية مصطلح يطلق على الأمة - المرأة المملوكة - كما في التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (١/ ٢٤٠): والجارية السفينة سميت به لجريها في البحر ومنه قيل للأمة جارية على التشبيه لجريها مسخرة في أشغال مواليها والأصل فيها الشابة لخفتها ثم توسعوا فسموا كل أمة جارية وإن كانت عجوزا لا تقدر على السعي تسمية بما كانت عليه. أهـ
(٢) وإن قيل لعل المراد في هذا الحديث بقوله (جارية) أنها كانت شابة؛ فهذا يبعده أنه جاء في رواية أحمد والترمذي والبيهقي وصفها بأنها "جارية شابة من خثعم" كما عند ابن عبد البر: "فاستقبلته جارية من خثعم شابة"، وإن قيل لعل المراد أنها كانت صغيرة السن! فنقول إن هذا مع ضعفه لأنه يستبعد أن تأتي فتاة صغيرة تستفتي رسول الله - ﷺ - في أن تحج عن والدها، فإنه علاوة على ذلك يبطل الاحتجاج به على جواز كشف المرأة البالغة، ومع ذلك فإنه جاء التصريح في بعض الروايات بأنها كانت (امرأة) كما عند البخاري ومسلم، وبذلك يثبت أن مرادهم بوصفها أنها جارية: أنها كانت أمة مملوكة.
[ ٢١٥ ]
عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال (وقف رسول اللَّه - ﷺ - بعرفة حتى جاوز الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر، واستفتته جارية شابة من خثعم؛ فقالت إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال:
حجي عن أبيك، قال ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول اللَّه لم لويت عنق بن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما) (^١).
وفي الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٢٩٩) ولفظه: (ثم أتى المنحر بمنى فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر فاستقبلته جارية من خثعم شابة فقالت أبي شيخ كبير).
وقد تكون المرأة أمة ولو كانت من نسبة قبلية لكونها سبيّة؛ فقد كان النبي - ﷺ - وسلم يبعث سرايا من أصحابه فيغيروا على القبائل ويسوقوا السبي إلى المدينة النساء منهم والرجال، كما في صحيح مسلم (٣/ ١٣٧٥): عن سلمة بن الأكوع قال: " غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله - ﷺ - علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها ".
_________________
(١) مسند أحمد بن حنبل ١/ ٧٥ (٥٦٢) جامع الترمذي ٣/ ٢٣٢ (٨٨٥) وقال حسن صحيح، مسند أبي يعلى ١/ ٢٦٤ (٣١٢)، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٨٩ (١٣٢٩٠) وصححه المقدسي في الأحاديث المختارة ٢/ ٢٤٢، وحسن إسناده الألباني في صحيح جامع الترمذي ٣/ ٢٣٢.
[ ٢١٦ ]
بل وجاء النص على قبيلة خثعم كما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٢٣): سرية قطبة بن عامر إلى خثعم سنة تسع من مهاجر رسول الله - ﷺ - قالوا: (بعث رسول الله - ﷺ - قطبة بن عامر في عشرين رجلا إلى حي من خثعم فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا. وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة).
* ومما يشهد أن المرأة الخثعمية من الإماء وليست من النساء الحرائر الآتي:
١) أن البخاري في صحيحه مهد لهذا الحديث بثلاثة آثار في غض البصر؛ بيّن فيها المنع من النظر إلى نساء العجم، والنظر إلى ما يشتهى من الصغيرة، والنظر إلى الإماء؛ ثم ذكر الحديث دون ذكر لغض البصر عن وجوه النساء الحرائر.
قال البخاري في صحيحه (٥/ ٢٢٩٩) معلقا: " قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ - ثم ساق البخاري حديث المرأة الخثعمية -
وكذلك القرطبي في تفسيره حيث قال (١٢/ ٢٢٧): وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر ) الحديث. وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شي منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة. وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة
[ ٢١٧ ]
إلا أن يريد أن يشتري. وفي الصحيحين عنه ﵇ أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته، وطفق الفضل ينظر إليها فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد، فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها.
٢) استشهاد ابن حزم بهذا الحديث على أنه لا يجوز النظر من الأمة إلا إلى الوجه والكفين: قال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٣٠): مسألة ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن منها وظهر، ولا يجوز ذلك في أمة يريد شراءها، ولا يجوز له أن ينظر منها - الأمة - إلا إلى الوجه والكفين فقط لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره - يرى ابن حزم أنه يجوز للخاطب أن يرى من المرأة ما يدعوه إلى نكاحها، بينما لا يجوز له من الأمة يريد شراءها إلا الوجهوالكفين - برهان ذلك قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ النور: ٣٠ فافترض الله - ﷿ - غض البصر جملة كما افترض حفظ الفرج، فهو عموم لا يجوز أن يخص منه إلا ما خصه نص صحيح، وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط، كما روينا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل فكان هذا عموما مخرجا لهذه الحال من جملة ما حرم من غض البصر. وأما النظر إلى الجارية يريد ابتياعها فلا نص في ذلك عن رسول الله - ﷺ - ولا حجة فيما جاء عن سواه فبقي أمر الابتياع على وجوب غض البصر. وأما - جواز النظر من الجارية إلى - الوجه والكفان فقد
[ ٢١٨ ]
جاء فيهما الخبر المشهور الذي أوردناه في غير هذا المكان من أمر الخثعمية التي سألت رسول الله - ﷺ - عن الحج عن أبيها وأن الفضل بن العباس جعل ينظر إلى وجهها فجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجه الفضل عنها ولم يأمرها بستر وجهها ففي هذا إباحة النظر إلى وجه المرأة لغير اللذة. مسألة ولا يحل لأحد أن ينظر من أجنبية لا يريد زواجها إن كانت أمة لتلذذ إلا لضرورة، فإن نظر في الزنى إلى الفرجين ليشهد بذلك فمباح له لأنه مأمور بأداء الشهادة وأما في غير ذلك فالوجه والكفان كما قدمنا آنفا عند الشهادة عليها أو لها أو منها. اهـ
٣) أنه لم يستشهد أحد من المتقدمين بهذا الحديث على جواز الكشف للمرأة الحرة؛ وإنما كان استشهادهم به على تحريم النظر إلى الأجنبية:
- ومن ذلك ما جاء في شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ٩٨): هذا الحديث فيه فوائد؛ منها جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك، ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه. اهـ
- قال ابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ١٥٠): وأولى منه ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس وفيه قصة المرأة الوضية الخثعمية، واستنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة من حيث إنه لم يأمرها بتغطية وجهها ولو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا لما أقره عليه. فائدة اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها، لكن يعكّر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية (فقلنا إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم
[ ٢١٩ ]
ولد) كذا اعترضه ابن الرِّفعة وتُعقِّب بأنه يدل على أن الأمة تُخالف الحرَّة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقا. اهـ
* إلا ما نقله الشيخ الألباني عن ابن بطال " أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا " الذي نقله من فتح الباري لابن حجر، وكان من الأولى أن يُنقل قول ابن بطال من كتابه (شرح ابن بطال على صحيح البخاري) بدلا من النقل عن ابن حجر حتى يتبين مراده: قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (١٧/ ٨): (وفيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال كلزومه لأزواج النبي - ﷺ -) فهذا كما ذكرنا إن نساء المؤمنين الحرائر إنما يلزمهن الحجاب فرضا عن الرجال الأحرار الأجانب؛ أما العبيد فلا يلزمهن الاحتجاب منهم، أما زوجات النبي - ﷺ - فإن فريقا من أهل العلم ومنهم ابن بطال يرون أنه لا يحل دخول العبيد عليهن إلا ما ملكت أيمانهن، ومن جهة أخرى فإن الحجاب لم يفرض على جميع النساء وإنما فرض على الحرائر منهن دون الإماء، ولذلك لم يأمر النبي - ﷺ - الخثعمية بالاستتار لأنها كانت من الإماء، ولذلك قال ابن بطال (ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار ولما صرف وجه الفضل عن وجهها، بل كان يأمره بصرف بصره، ويعلمه أن ذلك فرضه، فصرف وجهه وقت خوف الفتنة وتركه قبل ذلك الوقت) وعلى ذلك فحكم ستر وجه الحرة أمام من أباح لهم الشرع الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها من العبيد المملوكين والأتباع؛ سُنّة وليس فرضا، ولذا قال ابن بطال (وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير ذوي محارمهن سنة لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ويراه منها الغرباء) أي من
[ ٢٢٠ ]