وهو آخر ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث وهو حديث ثوبان - ﵁ - قال: جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله - ﷺ - وفي يدها فتخ من ذهب (أي خواتيم ضخام) فجعل رسول الله - ﷺ - يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله - ﷺ -، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب وقالت هذه أهداها إلي أبو حسن، فدخل رسول الله - ﷺ - والسلسلة في يدها فقال: يا فاطمة أيغرك أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما فأعتقته فحُدث بذلك فقال الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار" (^١)
والجواب عليه بالآتي: أولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن ابنة هبيرة هذه كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أن راوي الحديث عبد مملوك وهو ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - فليس في نظره حجة على جواز نظر الأحرار الأجانب. والذي كان ينبغي أن يؤخذ من هذا الحديث كما قال بعض أهل العلم كابن حزم أن ضرب النبي - ﷺ - ليدها كان لإظهارها هذه الزينة.
_________________
(١) سنن النسائي (٥١٤٠) (٥١٤١).
[ ٢٥١ ]
ثانيا: في متنه نكارة تبعد صحته كالذي سبق، وهي الضرب منه - ﷺ - وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (^١)
ثالثا: الحديث لايصح لأن إسناده منقطع؛ قال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٨/ ٦٦): حديث ثوبان منقطع. وقال ابن القيم في حاشيته تهذيب سنن أبي داود (١١/ ٢٠١): قال ابن القطان: علته أن رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلام الرحبي منقطعة. كما قاله الذهبي أيضا في الميزان (٧/ ٢١٢).
وجاء موصولا عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام، كما في مسند أحمد والنسائي؛ ولكن قال ابن معين وأحمد وغيرهم أنه لم يسمع من زيد بن سلام وإنما دلّسه عنه. كما ذكر المزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٠/ ٧٨): قال معاوية بن سلام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كتب أخي زيد بن سلام. قال يحيى بن معين: لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، قدم معاوية بن سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير منه شيئا، أخذ كتابه عن أخيه، ولم يسمعه، فدلسه عنه. اهـ ولهذا قال الشيخ الألباني في كتابه آداب الزفاف /١٥٣ (إسناده صحيح موصول) أي إذا ثبت اتصاله! أما إذا لم يثبت اتصال إسناده فلا يصح. وقد ثبت أن إسناده منقطع فلا يصح الحديث إذن. وعليه فلا حجة بمن صحح الحديث لروايته الموصوله.
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٨١٤ (٢٣٢٨).
[ ٢٥٢ ]
ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف.
وبذلك تبين أنه لاحجة فيما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.
الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني ومناقشتها
* من المناسب هنا قبل الانتقال إلى مناقشة بحثه السابع؛ أن نجيب على ما استشهد به الشيخ الألباني من الآثار وذلك مما استدرك في الطبعة الجديدة من كتابه (جلباب المرأة ص ٩٦ - ١٠٣) حتى نستوعب الإجابة عن كل ما استشهد به الشيخ الألباني حتى لا نترك مجالا لمن شك، وليتبين الحق لمن أراد الله له قبوله. فيُبيّن أولا القول فيها جملة؛ بأن هذه الآثار لو ثبت في شيء منها كشف وجه امرأة حرة لرجل حر أجنبي فلا يعد حجة على جواز الكشف ولا يحل العمل به؛ لأن هذه الآثار إن لم تكن مقطوعة فهي موقوفة (^١) لم يُرفع منها شيء للنبي - ﷺ - وليس لأي منها حكم الرفع، وإنما هي وقائع لا يؤخذ منها حكم شرعي ولا يلزم العمل بها على فرض صحتها.
ثم يُبيّن القول فيها تفصيلا:
_________________
(١) الموقوف: هو ما روى عن الصحابي مقتصرا عليه، من قوله وفعله، والمقطوع: هو ما أضيف إلى تابعي موقوفا عليه، سواء كان قوله أو فعله، كما في المختصر في علم الأثر ص/ ١٣١، ١٤٥.
[ ٢٥٣ ]