*قول ابن مسعود - ﵁ - " رأى رسول اللَّه - ﷺ - امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال أيّما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها". (^١)
والجواب عليه بالآتي: أولا: أن المراد بقوله - ﷺ - (أيما رجل رأى امرأة تعجبه) أي من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو من نساء العجم الكاشفات لوجوههن، كما أشار إلى ذلك البخاري في صحيحه معلقا (٥/ ٢٢٩٩): قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يُبَعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ
ثانيا: لم يخرج الحديث بهذا اللفظ إلا الدارمي عن ابن مسعود؛ وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي وغيرهم عن جابر بلفظ آخر؛ (عن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس (^٢) منيئة (^٣) لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال:
إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان
_________________
(١) قال الشيخ الألباني: أخرجه الدارمي (٢٢١٥) عن ابن مسعود واللفظ له، ومسلم وابن حبان وغيرهما؛ عن جابر، وصححه ابن القطان في" أحكام النظر" (ق ١٨/ ١٢)
(٢) تمعس: أي تدبغ وأصل المعس المعك والدلك (النهاية في غريب الأثر ٤/ ٣٤٢)
(٣) المنيئة: الجلد أول ما يدبغ (غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٧٦)
[ ٢٤٧ ]
فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرُدُّ ما في نفسه) (^١) فقوله (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) بيان لما يغلب عند النظر إلى المرأة من إثارة للشهوة، ولذا لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة الحرة فضلا على أن يستشهدوا به على جواز كشف الوجه، وقد ذكر ابن القطان في أحكام النظر (ص/١٩٣): أن الحديث مندفع الدلالة من حيث إنه ليس فيه ذكر للإبداء، ولعل حركة النفس من رؤية الشخص مستترا.
وقال النووي في شرح هذا الحديث (٩/ ١٧٨): قال العلماء معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له، ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقا.
قال العظيم آبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داود (٦/ ١٣٢): شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال فإن رؤيتها من جميع الجهات داعية للفساد ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج إلا لضرورة ولا تلبس ثيابا فاخرة وينبغي للرجل ألا ينظر إليها ولا إلى ثيابها. اهـ
وبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث على جواز الكشف للنساء الحرائر.
_________________
(١) مسلم (١٤٠٣) أبو داود (٢١٥١) صحيح ابن حبان (٥٥٧٢).
[ ٢٤٨ ]