(الحديث الخامس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) وفي رواية: فقال: (انتقلي إلى أم شريك)، وأم شريك امرأة غنية، من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل، فقال: (لا تفعلي، إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم) - وهو رجل من بني فهر، فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلت إليه، فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله - ﷺ -، ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله - ﷺ -، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: (إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم، لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ) (^١)
قال الشيخ الألباني: حديث فاطمة بنت قيس وأمره - ﷺ - إياها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى وقال لها: " فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك" لقد بينت هناك وجه
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ١١١٤ (١٤٨٠)، ٤/ ٢٢٦١ (٢٩٤٢).
[ ٢٣١ ]
دلالة الحديث وذلك أن النبي - ﷺ - أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم وعلل - ﷺ - ذلك بقوله: "فإنك إذا وضعت خمارك لم يركِ" والخمار غطاء الرأس عند جماهير العلماء كما تقدم تحقيقه.
والجواب عليه بالآتي:
أولا: من العجيب استشهاد الشيخ الألباني بهذا الحديث على جواز كشف الوجه مع أن رسول الله - ﷺ - لم يأذن لفاطمة بالاعتداد عند رجل يبصرها! ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف وجهها!
- فهذا النووي يقول في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٩): قوله - ﷺ - (تضعين ثيابك عنده) وفي الرواية الأخرى (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك) هذه الرواية مفسرة للأولى ومعناه لا تخافين من رؤية رجل إليك.
وقال في موضع آخر منه (١٠/ ٩٦): ومعنى هذا الحديث أن الصحابة ﵃ كانوا يزورون أم شريك ويكثرون التردد إليها لصلاحها فرأى النبي - ﷺ - أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجا، من حيث أنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها ونظرها إليهم وانكشاف شيء منها وفي التحفظ من هذا مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم لأنه لا يبصرها ولا يتردد إلى بيته من يتردد إلى بيت أم شريك. وقد احتج بعض الناس بهذا على
[ ٢٣٢ ]
جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولأن الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به. . . فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها، وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك.
- وبوّب لهذا الحديث أبو عوانة في مسنده (٣/ ١٧٦): بيان الأخبار التي لا تجعل للمطلقة ثلاثا على زوجها نفقة ولا سكنى وإيجاب خروجها من بيته والانتقال إلى منزل لا يراها الرجال فتعتد فيه.
- وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨١): إن انتقالها من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم كان أولى بها من بقائها في بيت أم شريك إذ كانت في بيت أم شريك يكثر الداخل فيه والرائي لها وفي بيت ابن أم مكتوم كان لا يراها أحد.
- وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٢ - ١٥٦): وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن. . . وأما قوله يغشاها أصحابي فمعلوم أنها عورة كما أن فاطمة عورة إلا أنه علم أن أم شريك من السترة والاحتجاب بحال ليست بها فاطمة
[ ٢٣٣ ]
ولعل فاطمة من شأنها أن تقعد فضلا (^١) لا تحترز كاحتراز أم شريك ولا يجوز أن تكون أم شريك وإن كانت من القواعد أن تكون فضلا، ويجوز أن تكون فاطمة شابة ليست من القواعد وتكون أم شريك من القواعد فليس عليها جناح ما لم تتبرز بزينة، فهذا كله فرق بين حال أم شريك وفاطمة وإن كانتا جميعا امرأتين العورة منهما واحدة، ولاختلاف الحالتين أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك.
ثانيا: قال الشيخ الألباني: "وجه دلالة الحديث أن النبي - ﷺ - أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال" استشهد الشيخ الألباني بالرواية التي جاء فيها لفظ (خمارك) المخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ (ثيابك) ورواتها أثبت وأوثق!
وعلى فرض صحة الحديث بهذا اللفظ (خمارك) فإن ما بناه الشيخ الألباني على قولها (فأني أكره أن يسقط عنك خمارك) أنه أذن لها أن تخرج بخمار يستر شعرها دون وجهها؛ فعليه ينبني على قولها (أو ينكشف الثوب عن ساقيك) أنه أذن لها تخرج لهم بثوب يستر ساقيها دون قدميها أيضا!! وهذا مما لم يقل الشيخ الألباني بجواز إظهاره!!
_________________
(١) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٠): قال ابن وهب مكشوفة الرأس والصدر وقال غيره الفضل الذي عليه ثوب واحد بغير إزار. وفي النهاية (٣/ ٤٥٦): فضلا: أي متبذلة في ثياب مهنتها أو كانت في ثوب واحد.
[ ٢٣٤ ]
وهذا يكشف أن إباحة كشف وجهها وقدميها للرجال؛ لكونها من الإماء المملوكات، يشهد لذلك الآتي:
١ - ما صح عن شعبة قال أخبرني أبو بكر بن أبي الجهم قال دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على فاطمة بنت قيس في ملك آل الزبير فسألناها عن المطلقة ثلاثا (^١).
٢ - لم يصرح أحد ممن ترجم لها أنها كانت زوجة لأبي عمرو وإنما اتفقت أقوالهم عند ترجمتها (كانت عند أبي عمرو ) وهذا يدل على أنها كانت أمة مملوكة فتزوجها.
٣ - أنها حينما خرجت من بيت زوجها لم تعتد في بيت من أهلها وإنما حولت إلى بيت رجل غريب عنها وهو الأعمى، وما جاء في بعض الروايات أنها ابنة عم للأعمى وأنها من البطن الذي هو منه قد نفاه القاضي كما نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ١٠٣): قال القاضي والمشهور خلاف هذا وليس هما من بطن واحد هي من بنى محارب بن فهر (^٢) وهو من بنى عامر بن لؤي (^٣). اهـ
_________________
(١) مسند الطيالسي ١/ ٢٢٨ (١٦٤٥) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ١٨١ (١٣٨١٧) وبنحوه في التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ١٣٩.
(٢) هي فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائل بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر الفهرية، كما في الثقات (٣/ ٣٣٦).
(٣) هو عبد الله بن عمرو بن شريح بن قيس بن زائدة بن الأصم من بنى عامر بن لؤي، كما في الثقات (٣/ ٢١٤).
[ ٢٣٥ ]
٤ - أن رسول الله - ﷺ - هو الذي تولى تزويجها دون إرجاع الأمر إلى وليها.
٥ - أن الرجل الذي زوجها إياه رسول الله - ﷺ - من الموالي وهو أسامة بن زيد.
ثالثا: قال بعض أهل العلم أن هذا الحديث معلل الإسناد والمتن:
قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في الكفاية في علم الرواية (١/ ٨١ - ٨٣): زعم أهل العراق أن العدالة هي إظهار الإسلام وسلامة المسلم من فسق ظاهر فمتى كانت هذه حاله وجب أن يكون عدلا فيقال لهم هذا غير صحيح ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد الا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذاهبه وصلاح طرائقه يدل على صحة ما ذكرناه أن عمر بن الخطاب رد خبر فاطمة بنت قيس في إسقاط نفقتها وسكناها لما طلقها زوجها ثلاثا مع ظهور إسلامها واستقامة طريقتها فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال.
قال الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) في بدائع الصنائع (٣/ ٢١٠): وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر - ﵁ - فإنه روي أنها لما روت أن رسول الله - ﷺ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة قال عمر - ﵁ -: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وروي أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك حصبها بكل شيء في يده، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لها: لقد فتنت الناس بهذا الحديث، وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنا فيه.
[ ٢٣٦ ]
قال الزيلعي الحنفي (ت ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق (٣/ ٦٠): وحديث فاطمة لا يجوز الاحتجاج به لوجوه: أحدها: أن كبار الصحابة أنكروا عليها كعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد وعائشة حتى قالت لفاطمة فيما رواه البخاري "ألا تتقي الله" (^١) وروي أنها قالت لها "لا خير لك فيه" (^٢) ومثل هذا الكلام لا يقال إلا لمن ارتكب بدعة محرمة، وفي صحيح مسلم لما حدث الشعبي عنها بهذا الحديث أخذ الأسود بن يزيد كفا من حصى وحصب به الشعبي فقال له "ويلك أتحدث بمثل هذا الحديث" (^٣)، وقال أبو سلمة أنكر الناس عليها فصار منكرا فلا يجوز الاحتجاج به، والثاني: لاضطرابه؛ فإنه جاء طلقها ألبتة وجاء طلقها ثلاثا، وجاء أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وجاء طلقها ألبتة وهو غائب، وجاء مات عنها وجاء حين قتل زوجها، وجاء طلقها أبو عمرو بن حفص وجاء طلقها أبو حفص بن المغيرة، فلما اضطرب سقط الاحتجاج به،
وقال كمال الدين ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) في فتح القدير (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٧): شرط قبول خبر الواحد عدم طعن السلف فيه وعدم الاضطراب وعدم معارض يجب تقديمه والمتحقق في هذا الحديث ضد كل من هذه الأمور.
فإحدى هذه العلل كافية لإسقاط الاحتجاج بهذا الحديث؛ فكيف بها مجتمعة!!
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٣٩ (٥٠١٦)
(٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٤٠ (٥٠١٧)
(٣) صحيح مسلم ٢/ ١١١٨ (١٤٨٠)
[ ٢٣٧ ]