قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٧٢): (لا يدري حينئذ من هي) هكذا وقع في جميع نسخ مسلم (حينئذ) وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره وهو تصحيف وصوابه (لا يدري حسن من هي). قال النووي: ويحتمل تصحيح (حينئذ) ويكون معناه لكثرة النساء واشتمالهن ثيابهن لا يدري من هي. (^١)
وبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.
(الحديث السابع) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها كانت تحت سعد ابن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع فوضعت حملها قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل يعني ابن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت] واختضبت وتهيأت [(^٢) فقال لها: اربعي على نفسك لعلك تريدين النكاح إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت: فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك، فقال لها النبي - ﷺ - " قد حللت حين وضعت حملك " (^٣)
_________________
(١) تعقبه ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٤٦٨) بقوله: ووقع في مسلم وحده (لا يدري حينئذ) وجزم جمع من الحفاظ بأنه تصحيف ووجهه النووي بأمر محتمل لكن اتحاد المخرج دال على ترجيح رواية الجماعة -وهذا لا يعارض قول النووي، فعدم معرفة حسن للمرأة قد يكون لعدم معرفة من قبله من الرواة لها.
(٢) من رواية أخرى عند أحمد في مسنده ٦/ ٤٣٢ (٢٧٤٧٨) وحسن الألباني إسنادها في جلباب المرأة /٦٩.
(٣) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٤٣٢ (٢٧٤٧٥) وصحح الألباني إسناده في جلباب المرأة /٦٩.
[ ٢٤١ ]
والجواب عليه بالآتي: أولا: أن مما لا خلاف فيه أن القائلين بكشف الوجه ومنهم الشيخ الألباني يشترطون ألا يكون على الوجه شيئا من الزينة، وقد صرحت سبيعة بأنها كانت متجملة حين دخل عليها أبو السنابل، وهذا مما لم يقل بجوازه أحد من أهل العلم ولا حتى الشيخ الألباني نفسه، ولذلك لم يجد الشيخ الألباني بدا من القول بأنها قد تكون مغطية وجهها ماعدا عينيها! فقال في كتابه جلباب المرأة /٦٩: (والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل)!!
ثانيا: أنه على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها فلا حجة فيه أيضا؛ لأن سبيعة الأسلمية كانت أمة مملوكة اتخذها سعد بن خولة أم ولد. (^١) كما جاء ذلك مصرحا به في الرواية التي نقلها الهيثمي عن أحمد في مجمع الزوائد (٥/ ٢): عن أبي بن كعب قال: نازعني عمر بن الخطاب في المتوفى عنها وهي حامل، فقلت تزوج إذا وضعت، فقالت أم الطفيل -أم ولدي- لعُمر (قد أمر رسول الله - ﷺ - أم ولد؛ سبيعة الأسلمية أن تنكح إذا وضعت). (^٢)
وفي مسند الشافعي (١/ ٢٩٨) قال: "أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال تعتد بحيضة" ثم استشهد بحديث
_________________
(١) أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وأتت بولد، كما في معجم لغة الفقهاء ص/٨٨.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٣٧٥ (٢٧١٥٢) قال الهيثمي رواه أحمد وإسناده حسن إلا أن بسر بن سعيد لم يدرك أبي بن كعب، قلت وفاة أبي بن كعب مختلف فيها فإن صح أنه توفي في خلافة عثمان فإن بسرا يكون بذلك قد أدركه، كما أنه روي موصولا في رواية أخرى عند أحمد ٦/ ٣٧٥ (٢٧١٥٣) عن بسر عن أم الطفيل عن أبي بن كعب.
[ ٢٤٢ ]
سبيعة، ولذلك لم يعلق أحد من شراح الحديث على دخول أبو السنابل عليها ونظره إليها البتة، بل لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث - مع كونه مخرج في الصحيحين- على جواز النظر إلى النساء فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف!