قال ابن جرير الطبري (١٨/ ١٢٤): وقوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره ولا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس الذين مشين بينهم ما يخفين من ذلك.
قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٣٣) والبيضاوي في أنوار التنزيل (٤/ ١٠٥): كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال. وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهى عن إظهار مواضع الحلي أبلغ.
قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): (ولا يضربن بأرجلهن) أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها، فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد، والغرض التستر.
- عاشرا: الخلاف القائم حول بعض متعلقات الآية؛ كالخلاف فيمن لم يذكر في الآية وهو ممن تحل له رؤية المرأة:
(١) كالعم والخال؛ فقال بعضهم إنهما يجريان مجرى الوالدين، وقال الآخرون بل تحتجب منهما المرأة فليسوا من المحارم وقد ينعتانها لأبنائهما، مستشهدين بما
[ ٤٤٦ ]
صح عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية؛ قالا لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، وقالا: " لا تضع خمارها عند العم والخال". (^١)
ولكن إذا حُمل أن العم والخال ممن يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب ولكن لا تبدي لهم إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) بعدم وضع الرداء والخمار عندهما كما ذكر الشعبي وعكرمة؛ لكان ذلك أجمع للرأيين.
قال ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٩): روي عن الشعبي أنه قال لم يذكر الله العم فيها ولا الخال لأنها تحل لأبنائهما. وقيل لم يذكرهما لأنهما قائمان مقام الأبوين بدليل نزولهما منزلتهما في حرمة النكاح. فأما من قال بالقول الأول فقال إن حكم الرجل مع النساء ينقسم على ثلاثة أقسام:
الأول: من يجوز له نكاحها؛ لم يحل له رؤية شيء منها.
والثاني: من لا يحل له نكاحها (ولا) لابنه كالأخ والجد والحفيد؛ جاز الوضع لجلبابها ورؤية زينتها.
والثالث: من لا يحل له نكاحها ويجوز لولده كالعم والخال؛ جاز رؤية وجهها وكفيها خاصة ولم يحل له رؤية زينتها. اهـ وهذا كله موافق تماما لما ذكرنا.
وقال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٣٧): فإن قلت لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك فقال لئلا يصفها العم عند ابنه والخال
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٣ (١٧٢٩٣)، الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٢ بإسناد صحيح.
[ ٤٤٧ ]
كذلك، ومعناه أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العمّ والخال وأبناءهما، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيداني تصوّره لها بالوصف؛ نظره إليها، وهذا أيضًا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر.
(٢) المحارم بالرضاع والمصاهرة: فإنه لم يرد ذكرهم في الآية! ولو كان حكمهم في هذا الأمر كحكم المحارم بالنسب لورد ذكرهم فيها كما ورد ذكرهم في آية المحرمات في سورة النساء وهو القائل - ﷿ - (ما فرطنا في الكتاب من شيء) الأنعام ٣٨
- يشهد لذلك ما ورد عن أيوب السختياني بإسناد صحيح إليه قال: قلت لسعيد بن جبير أيرى الرجل رأس (ختنته) (^١) فتلا عليه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية؛ قال: لا أراها فيهم. (^٢)
ولذلك فرق بينهم بعض أهل العلم في حدود ما يباح لهم النظر إليه من المرأة:
- جاء في أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٨٦): عن مالك قال: أكره أن يسافر الرجل بامرأة أبيه أو ابنه، ولله دره إنها ليست كأمه وابنته.
_________________
(١) الختنة: أُمُّ الزوجة كما في النهاية (٢/ ١٠) والفائق في غريب الحديث (١/ ٣٥٤).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٤١٢).
[ ٤٤٨ ]
- قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٢): تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج.
- قال ابن القطان في أحكام النظر /١٤٠: من ذوات المحارم من في نظر ذي محرمها إليها خلاف، كأم الزوجة: جوّز مالك النظر إلى شعرها، ومنع ذلك سعيد بن جبير، وتلا حين سُئل عنها الآية، ثم قال: لا أراها فيها، وهو موضع نظر، فإن الشهوات لا تنضبط، وعلة الحرمة فيها، وهو كونها أمًّا للزوجة لا يقتضي الطبع انكماشًا، كما فيما بينه وبين أخته مثلًا، وقد كان جائزًا له نكاحها قبل تزوجه بابنتها والذي لا شك في جوازه؛ النظر منها إلى وجهها وكفيها فإن ذلك قد جاز النظر إليه من الأجنبية، والزيادة على ذلك عندي موضع توقف مسألة: جوز مالك أن يرى شعر امرأة ابنه، والقول بها عندي كالقول في أم امرأته.
- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٥): وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية.
- وفي روضة الطالبين (٧/ ٢٤): وسواء المحرم بالنسب والمصاهرة والرضاع، وقيل لا ينظر بالمصاهرة والرضاع إلا إلى البادي في المهنة.
(٣) وكذلك حمل المراد من قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أنه الزوج، لأنه من المعلوم أن الزوج يحل له النظر إلى جميع بدن الزوجة؛ وهذا يضعف أن يكون هو المراد في هذا الموضع الذي ذُكر فيه من يحل لهم النظر إلى
[ ٤٤٩ ]
بعض المواضع من جسدها دون بعض، ولما كان البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب؛ فالصواب والله أعلم أن المراد بالبعل في هذه الآية؛ السيّد بالنسبة للأمة التي لها زوج، فإن الأمة غير المتزوجة يحل لسيدها منها ما يحل له من زوجته، وهذا جاء بيانه في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ المؤمنون: ٥ - ٦ ولكن لما كانت الأمة قد تكون ذات زوج فلا يحل لسيدها منها إلا ما يحل له من ذات المحرم؛ اندرج حكم سيدها في هذه الآية فيمن لا يحل له إلا رؤية الزينة من المرأة. (^١)
ومما يؤكد عموم الخطاب في هذه الآية وأنه موجه للإماء والحرائر (^٢)؛ أن الأمر في مطلعها جاء بلفظ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ وهذا اللفظ (المؤمنات) عام تدخل فيه الحرائر والإماء، بخلاف آية الجلابيب التي خص الله فيها الخطاب للحرائر دون
_________________
(١) قال البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٤): والسيد معها إذا زوجها كذوي محارمها.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٤٥٠ ]
الإماء فقال جل في علاه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأخرج بقوله (نساء المؤمنين) قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢١٨): البعل في لغة العرب السيد والزوج، وأيضا فالأمة قد تتزوج، وماعلمنا قط أن الإماء لا يكون لهن أبناء وآباء وأخوال وأعمام كما للحرائر.
ومما يشهد لما ذكرنا من أن المراد بالبعل هنا السيد والمالك؛ أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال بأن المراد بالبعولة في هذه الآية الأزواج، بل جاء ما ينفي ذلك وهو قول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ قال الزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها" فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها" (^١) فهذا القول من ابن عباس شاهد على أن الزوج لم يدخل في هذه الآية.
ومما يشهد لذلك أيضا أن الله تعالى لم يذكر البعولة في آية الحجاب في سورة الأحزاب ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ الأحزاب: ٥٥ لأن الخطاب فيها موجه للحرائر دون الإماء.
[ ٤٥١ ]
وقد أدى حمل قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أن المراد به الزوج إلى أن بالغ بعضهم فأحلوا النظر لجميع جسد المرأة لذوي محارمها عدا العورة المغلظة؛ معللين ذلك بأن الله قد ساوى في ذلك بين البعولة وبينهم في الآية! (^١) ولاستبعاد ذلك قال الآخرون: مع أن الله تعالى جمع هؤلاء في سياق واحد إلا أنه لا يفهم منه استواء أحكامهم لأن الزوج يباح له النظر من زوجته ما لا يحل لأبيها النظر إليه! ولو حُمل المراد بالبعولة وآباء البعولة وأبنائهم في هذه الآية على السيّد بالنسبة للأمة المتزوجة ووالده وولده؛ لكان أسلم.
ومما يشهد لذلك أن "الحسن والحسين كانا لا يريان أمهات المؤمنين وكان ابن عباس يرى أن رؤيتهن لهما حل" (^٢) فإنهن لهما بمنزلة زوجات الأب، ولكن لما كان أبناء الأزواج ممن لم يستثن في الآية؛ فلا يحل لزوجات أبيهم (أمهات المؤمنين) أن يبدين لهم من زينتهن إلا ما ظهر منها؛ كرهوا الدخول عليهن، والله تعالى أعلم.
وفيه كذلك الجواب على من أنكر على من قال إن العم والخال ينعتان لأبنائهم بأن الله قد أباح لأبي الزوج الزينة الباطنة وهو قد ينعت لأبنائه (إخوة الزوج) فإذا حُمل أن المراد هو أبو السيد بالنسبة للأمة، وأن آباء الأزواج لا يبدى لهم إلا ما ظهر من الزينة؛ كانوا كالأعمام في الحكم.
_________________
(١) انظر المحلى: ١٠/ ٣٢.
(٢) سنن سعيد بن منصور ١/ ٢٧٦ (٩٦٥) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٢ (١٧٢٩١).
[ ٤٥٢ ]
والمتأمل حقيقة في هذا التقسيم بمنع فئة ممن يحل لهم رؤية المرأة دون حجاب من رؤية زينتها إلا ما ظهر منها، يتبين له دقة الشارع فيأحكامه فمن لم يستثنوا في الآية ليس لديهم من نفرة الطباع ما للمحارم المستثنين فيها.
(٤) وكذلك النساء المشركات: حيث فُسر قوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ بالنساء المسلمات كما قال سعيد بن جبير، ومجاهد: " نسائهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تَكَشّف بين يدي المشركة". (^١)
ولذلك ذهب فريق من أهل العلم إلى أن النساء الكوافر بالنسبة للمرأة المسلمة كالرجال الأجانب! كما جاء في أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٣/ ١١١): وتحتجب مسلمة عن كافرة وجوبا فيحرم نظر الكافرة إليها لقوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فقد أفتى النووي بأنه يحرم على المسلمة كشف وجهها لها. (^٢)
لكن هذا يضعفه ما صح أن نساء أهل الذمة كن يدخلن على أزواج النبي - ﷺ - يرين وجوههن! لذلك ذهب الفريق الآخر إلى أنهن في حل النظر كالمسلمات! وهو خلاف الآية كما هو بيّن. فإذا قلنا إن النساء الكافرات ممن يحل لهن الدخول ولكن لا يبدى لهن إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) لكان هذا أجمع للرأيين.
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٥) (١٤٤١٦).
(٢) فيه شاهد على أنه يرى أن الحجاب يقتضي تغطية الوجه.
[ ٤٥٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٢): وقوله (أو نسائهن) احتراز عن النساء المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال، فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة.
(٥) وكذلك الصبي المميز فلأنه لم يذكر في الآية جعله بعضهم كالبالغ وقال بعضهم إنه كذي المحرم كما جاء في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء لقوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ وفي المميز روايتان إحداهما هو كالبالغ لهذه الآية والثانية هو كذي المحرم لقوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ النور: ٥٩ ففرق بينه وبين البالغ. (^١)
فإذا قيل إنه يحل له الدخول على النساء ورؤيتهن ولكن لا يبدين له إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) كان ذلك أجمع للرأيين، فلا يُلحق بالمحرم والله لم يلحقه به في الآية، ولا يُلحق بالبالغ الذي فرق الله بينهما في الحكم في الآية الأخرى.
يؤيد ذلك قول الإمام أحمد كما في المغني (٧/ ٧٧): قيل لأبي عبدالله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام قال إذا بلغ عشر سنين.
_________________
(١) وانظر كشاف القناع ٥/ ١٢ والمبدع ٧/ ١٠ ومختصر الإنصاف والشرح الكبير ١/ ٦٣٩
[ ٤٥٤ ]
(٦) وكذلك ما وقع من خلاف في المراد من قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ففريق قال إن المراد بها الإماء المشركات، فبعد نهي المرأة عن إبداء زينتها للنساء الكوافر استثني من ذلك ما ملكت أيمانهن منهن، وهذا يضعفه أنه لو أُريد ذلك لجاء بصيغة الاستثناء كأن يقول (أو نسائهن إلا ما ملكت أيمانهن).
ومنهم من قال المراد به العبيد، وقد ورد عن عائشة وأم سلمة ﵄ عدم احتجابهما من العبيد، وثبوت دخولهم عليهن كما جاء ذلك عن مجاهد قال (كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ -) (^١)
وكذلك ما جاء عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قال (استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق، قالت: أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم) (^٢) كما جاء عن أنس - ﵁ - (أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد كان قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ﵂ ثوب - رداء - إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي - ﷺ - ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك (". (^٣)
قال البيهقي عقبه (٧/ ٩٥): وروينا عن القاسم بن محمد أنه قال (إن كانت أمهات المؤمنين يكون لبعضهن المكاتب فتكشف له الحجاب ما بقي عليه درهم فإذا قضى أرخته دونه) وكان الحسن والشعبي وطاووس ومجاهد يكرهون أن ينظر
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢).
(٢) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٥ (١٣٣٢٤) صححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ١٨٣.
(٣) سنن أبي داود (٤١٠٦) وصححه الألباني.
[ ٤٥٥ ]
العبد إلى شعر سيدته، وكأنهم عدوا الشعر من الزينة التي لا تبديها لعبدها كما عده بن عباس ﵄ فيما رويناه من الزينة التي لا تبديها لمحارمها.
قال ابن حجر فتح الباري (٥/ ٢٦٥): وفيه دليل على أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة زوج النبي - ﷺ -. اهـ
ولهذا جعله الفريق الآخر محرما لها يسافر بها ويخلو بها! وقد أنكر شيخ الإسلام هذا فقال في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١١): فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته وقد جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل الحاجة لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها كغير أولى الأربة فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها.
قال النحاس في معاني القرآن (ت ٣٣٨ هـ) (٤/ ٥٢٧): قال ﷿ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فيه أقوال والقول الثاني أنه ليس لعبيدهن أن يروا منهن إلا ما يرى الأجنبي - الأتباع والعبيد المملوكون للغير - كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال ولا ينظر عبدها إلى شعرها ولا نحرها وأما الخلخال فلا ينظر إليه إلا الزوج. وهو مذهب عبد الله بن مسعود ومجاهد وعطاء والشعبي
[ ٤٥٦ ]
ويكون التقدير على القول الثاني أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف.
قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): وقد قيل إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة (^١) أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال حكاه المهدوي. اهـ
وهذا هو الصحيح والله أعلم؛ أن المراد بقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من غير أولي الإربة، يؤكد ذلك قرينة في الآية وهي قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فلو لم تكن الصفة ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ عائدة على كلا النوعين (ملك اليمين والتابعين) لما كان لقوله ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فائدة،
ولكان قوله ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ كاف لبيان المراد. وهذا لا ينفي كون العبيد ممن يحل لهم الدخول على النساء من غير حجاب، ولكن المراد أنه ليس لهم حكم العبيد غير أولي الإربة المستثنين في الآية الذين يحل للمرأة أن تبرز لهم بالدرع والخمار دون الرداء:
_________________
(١) هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة ولا إرب. قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٤): واختلف الناس في معنى قوله أو التابعين غير أولي الإربة فقيل هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء وقيل الأبله وقيل الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن وقيل العنين وقيل الخصي وقيل المخنث وقيل الشيخ الكبير والصبي الذي لم يدرك وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء.
[ ٤٥٧ ]
- عن الشعبي أنه كان لا يرى بأسا أن تضع المرأة ثوبها - الرداء والملحفه - عند مملوكها وإن كان يكره أن يرى شعرها. اهـ (^١)
أما العبد تملكه المرأة وهو من أولي الإربة فهو كسائر العبيد لا تبدي له من زينتها إلا ما ظهر منها (الوجه والكفين) فلا تضع رداءها عنده.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٨٩): لم أر من الصواب؛ إلا أن يكون المملوك من غير أولى الإربة؛ فيكون حكمه حكم الأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء وكم من المماليك الأوغاد أتى منهم الفساد. اهـ
فإذا كان لا يحتجب من العبد المملوك؛ وكان المملوك من غير أولي الأربة حكمه كحكم المحارم والأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء؛ دل ذلك على أن المملوك من أولي الأربة لن يكون كحكم المملوك من غير أولي الأربة فيرى زينة المرأة، وهو ليس كحكم الحر الأجنبي الذي يجب على المرأة الحرة أن تحتجب منه! فلم يبق إلا أن يكون ممن لا يرى إلا الزينة الظاهرة منها، أي (الوجه والكفين). يؤيد ذلك قوله ﴿الَّذِينَ﴾ للجمع بعد
بصفة الإفراد وذلك لبيان عطف ما بعدها على ما قبلها من الرجال حيث قال بعد قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ فلا بد أن تعود ﴿الَّذِينَ﴾ على آخرين مع الطفل ولا يكون إلا أقرب مذكور وهم ﴿مَا مَلَكَتْ
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (١٧٢٧١)
[ ٤٥٨ ]