ثانيًا: استشهد الشيخ الألباني بقول عبد الله بن عباس - ﵁ - " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به" (^١) على أنه تفسير من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب فقال: (وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية الجلابيب" تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به")!! والصحيح أن قول ابن عباس هذا لم يكن تفسيرا لآية إدناء الجلابيب كما ذكر الشيخ الألباني، ولم يستشهد به مطلقا أي أحد من المفسرين في تفسير هذه الآية! بل لم يرد له ذكر في كتب التفسير البتة!! لأن هذا القول من ابن عباس إنما كان لبيان كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها، كما أن الشيخ الألباني لم يذكر رواية هذا الأثر بتمامها كما هي عند أبي داوود: قال أبو داود في مسائله للإمام أحمد، في باب: ما تلبس المرأة في إحرامها (ص ١١٠): "حدثنا أحمد، قال حدثنا يحيى وروح، عن ابن جريج، قال أخبرنا، قال عطاء، أخبرني أبو الشعثاء، أن ابن عباس ﵄ قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به، قال روح في حديثه: قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال: تعطفه وتضرب به على وجهها، كما هو مسدول على وجهها) كما أخرجه الشافعي عن سعيد بن سالم ولفظه (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه) (^٢) وهذا يبين مراد ابن
_________________
(١) أبو داود في (مسائله) ص /١١٠، وصححه الألباني في الرد المفحم /٥١.
(٢) مسند الشافعي (١/ ١١٨)، الأم (٢/ ١٤٩).
[ ٤٣ ]
عباس؛ وهو أن تغطية المرأة لوجهها حال إحرامها تكون بسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها، وليس لها رفع الثوب من أسفل وضربه على الوجه (^١) للتلثم به والتبرقع، فالنهي متعلق بصفة التغطية وليس بالتغطية نفسها.
لكن الشيخ الألباني أشار إلى هذه الزيادة في أثر ابن عباس في آخر موضع استشهد فيه بهذا الأثر في رده المفحم في هامش الصفحة قائلا:
(وهذه زيادة شاذة لا تصح) (^٢)!! والصحيح أن هذه الزيادة محفوظة غير شاذة؛ لأن الشذوذ مصطلح يطلق على زيادة تفرد بها ثقة خالف بها غيره، ولا يطلق على ما رواه ولم يروه غيره:
قال العلامة محمد جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ص: ١٠٠): الشذوذ أن يخالف الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به لم يرو الثقات خلافه فإن ذلك لا يسمى
_________________
(١) الضرب هو الشد والإلصاق، كما جاء في تفسير الضرب في قوله تعالى (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) النور: ٣١ قال ابن عبدالبر في الكافي (١/ ١٥٣): قال سعيد بن جبير (وليضربن) يعني وليشددن. وفي فتح القدير (٤/ ٢٣): مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق. وفي إعراب القرآن (٣/ ١٣٤): وليلصقن.
(٢) قال الشيخ الألباني في الرد المفحم هامش (ص ٥١): رواه أبو داوود عن أحمد عن شيخين له: يحيى بن سعيد وروح، واللفظ ليحيى وخالفه روح فزاد زيادة لما سئل: وما " ولا تضرب به "؟ فقال: " تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها " وهذه زيادة شاذة لا تصح لأن يحيى جبل في الحفظ قال أحمد: " إليه المنتهى في التثبت في البصرة " فإذا قابلت هذه الشهادة منه بقوله وفي روح: " لم يكن به بأس " عرفت الفرق بينهما ولم تقبل زيادته على يحيى. اهـ
[ ٤٤ ]
شاذًّا قال الشافعي ﵀: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات"
وقال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص: ٨٢): زيادة راويهما أي: الصحيح والحسن مقبولة، ما لم تكن منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة:
١ - إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقًا لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره.
٢ - وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الراوية الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح. اهـ
وقال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٤): لابد من توفر شرطين في الشاذ هما: التفرد والمخالفة.
وزيادة روح بن عبادة ليست منافية ولا مخالفة لرواية يحيى بن سعيد حتى يحكم عليها بالشذوذ!! بل هي بمثابة الزيادة المفسرة لها، فلا يصح أن توصف بالشذوذ! بل إن الإنصاف أن تقبل مطلقا كما قال ابن حجر لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره.
[ ٤٥ ]
وروح يعد من الثقات وقول الإمام أحمد الذي نقله عنه الشيخ الألباني لا يعد جرحا له، وقد وثقه البزار والخليل وابن سعد وابن معين (^١) والعجلي في ثقاته وابن حجر في التقريب، وحديثه مخرج في الصحيحين.
كما أن هذه الزيادة لم يتفرد بها روح فقد شاركه فيها سعيد بن سالم كما في مسند الشافعي، ولها شواهد من حديث عائشة ﵂ (^٢)، وعمل بها الأئمة (^٣).
بل إن الشيخ الألباني نفسه قد أقرّ بمعناها فقال في الرد المفحم (ص:
_________________
(١) انظر تهذيب التهذيب (٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٢) وذلك ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) وقالت (ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها) وفي رواية (سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل خديها فإذا جاوزنا نزعناه) وسيأتي تخريجها.
(٣) كما جاء في الفروع (٣/ ٣٣٣): وقال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل ومعناه عن ابن عباس رواه الشافعي. وقال الإمام الشافعي في الأم (٢/ ١٦٢): ويكون للمرأة إذا كانت بارزة تريد الستر من الناس أن ترخي جلبابها أو بعض خمارها أو غير ذلك من ثيابها من فوق رأسها وتجافيه عن وجهها حتى تغطي وجهها متجافيا كالستر على وجهها ولا يكون لها أن تنتقب - ثم ساق أثر ابن عباس ثم قال - ولا ترفع الثوب من أسفل إلى فوق. وفي التفريع في فقه الإمام مالك (١/ ٢٠٠): ولا بأس أن تسدل ثوبها على وجهها ليسترها عن غيرها، وتسبله من فوق رأسها، ولا ترفعه من تحت ذقنها، ولا تشد على رأسها. اهـ وهذا مقتضى قول ابن عباس فلم يرد عن أحد من الأئمة أنه قال بجواز كشف وجه المرأة المحرمة إذا كانت على مرأى من رجال أجانب بناء على قول ابن عباس ولا غيره من الآثار كما سيأتي زيادة بيان ذلك وتفصيله في تتمة مناقشة البحث الخامس.
[ ٤٦ ]