٣٩): (فلكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفا فتغطيتها لوجهها بالسدل فعل منها نقول به) فلا وجه إذن للطعن في هذه الزيادة والحكم عليها بالشذوذ، لأنه لا شذوذ هنا، ولا دليل عليه، بل هي زيادة ثقة يروي ما لم يرو غيره، فتكون مقبولة محتجا بها.
ثالثا: (١) استشهد الشيخ الألباني بما جاء في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ٤٥٢) قال "الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة" على أن مراده عورة النظر! والصحيح أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة. (^١)
_________________
(١) ولا يسوغ قياس عورة النظر على عورة الصلاة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٥): فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا. وفي مغني المحتاج (٣/ ١٢٩): وقال السبكي إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر لا في الصلاة. وفي الثمر الداني (١/ ١٦٣): ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة. وفي حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ٢٤١): قال الكمال وصحح بعضهم أنه ليس بعورة في الصلاة لا خارجها، ولا تلازم بين كونه ليس بعورة وجواز النظر إليه. وسيأتي زيادة توضيح وبيان لذلك في تتمة مناقشة البحث الخامس.
[ ٤٧ ]
وهذا نص ما ذكره المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣): (قوله"والحرة كلها عورة إلا الوجه" (^١) الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بِأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة انتهى. وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه انتهى وقوله " وفي الكفين روايتان " إحداهما: هما عورة. وهي المذهب وعليه الجمهور قال: وهو ظاهر كلام أحمد وجزم به الخرقي واختار الشيخ تقي الدين: أن القدمين ليسا بعورة أيضا. قلت: وهو الصواب) اهـ
فإن ما ذكره المرداوي في الكفين من أن المذهب وظاهر قول أحمد أنهما عورة، وما رجحه من أن القدمين أيضا ليسا بعورة؛ يكشف أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة لا عورتها في النظر، أما رأيه في عورة المرأة في النظر؛ فيتبين بما ذكره في كتابه "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" عن حكم النظر للأمة التي لم يُفرض عليها الحجاب (٨/ ٢٧) حيث قال: الصواب أن الجميلة تنتقب،
_________________
(١) هذا من المتن الذي يشرحه المرداوي في الإنصاف وهو المقنع في فقه الإمام أحمد لابن قدامة المقدسي (ص: ٤٤): كتاب الصلاة، باب ستر العورة: وهو الشرط الثالث. وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب. وعورة الرجل والحرة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان. وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة وعنه كالحرة. ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين )
[ ٤٨ ]
وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب. أهـ
(٢) ومثل ذلك ما نقله الشيخ الألباني عن ابن قدامة المقدسي في المغني قائلا: وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في "المغني" (١/ ٦٣٧) واستدل لاختياره بنهيه - ﷺ - المحرمة عن لبس القفازين والنقاب "لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء". وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه "العمدة" اهـ.
فإن مراد ابن قدامة؛ عورة المرأة في الصلاة، وهذا نص ما قال ابن قدامة في المغني (١/ ٦٣٧): (جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ قال الوجه والكفين، ولأن النبي - ﷺ - نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء). اهـ
وتوضيح ما ذكر ابن قدامة بأمرين:
[ ٤٩ ]
الأول: علل ابن قدامة وغيره من الفقهاء كون الوجه والكفين ليسا بعورة من المرأة في الصلاة؛ بأن المرأة منهية حال إحرامها من لبس القفازين والنقاب (^١)؛ وهذا ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة أمام الرجال الأجانب!
لأن المراد نهي المرأة من تغطية وجهها إذا لم تكن بارزة أمام رجال أجانب، ومما يشهد لذلك؛ قول ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. . . ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة.
- قال النووي (ت ٦٧٦ هـ) في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره.
- قال أبو بكر ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في عارضة الأحوذي (٤/ ٥٦): ستر وجه المرأة بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.
- قال صدر الدين عليّ بن عليّ ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه
_________________
(١) لما ثبت عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال (ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) صحيح البخاري ٢/ ٦٥٣ (١٧٤١)، وسيأتي أنه موقوف على ابن عمر.
[ ٥٠ ]
للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا.
- قال ابن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ) في البحر الرائق (٢/ ٣٨١): ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة. . . وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها. اهـ
وسيأتي زيادة تفصيل وبيان لهذه المسألة في مناقشة البحث الخامس إن شاء الله.
وكذلك كون وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة؛ لا يعني جواز كشف المرأة لوجهها إذا كانت تصلي على مرأى من رجال أجانب عنها، كما بيّن ذلك بعض الفقهاء على اختلاف مذاهبهم:
كما في سبل السلام (١/ ١٣٢): والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي.
وفي شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): يكره للمرأة ستره في الصلاة إلا إن تكون بين رجال أجانب.
وفي الإقناع للشربيني (١/ ١٢٤): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.
[ ٥١ ]
وفي التاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك إن صلت الحرة منتقبة لم تعد وكذا المتلثمة وقال اللخمي يكرهان، وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.
وفي الدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته. . . وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.
الثاني: أن قول ابن قدامة "ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء" فهو الذي علل به الفقهاء أمرين:
١ - كشف الإماء وجوههن وعدم احتجابهن، لأن الأمر بالحجاب مختص بالحرائر دون الإماء (^١) في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وسيأتي تفصيل ذلك وتأصيله في مناقشة البحث الخامس.
_________________
(١) قال ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها لأنها لا تحرم عليه على التأبيد لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالبا لقوله تعالى (ما ملكت أيمانهن). أخرج عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢) عن مجاهد قال "كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ - " وأخرج البيهقي في سننه الكبرى ٧/ ٩٥ (١٣٣٢٤) عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قال استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق قالت" أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم" صححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ١٨٣، والعمل على ذلك. اهـ
[ ٥٢ ]
٢ - عدم احتجاب النساء الحرائر من الرقيق ونحوهم، ممن أجاز لهم الشرع الدخول على المرأة دون حجاب (^١) لقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ النور: ٣١ فالمراد من قول ابن قدامة "ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء"؛ الحاجة للأخذ والإعطاء مع من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن من العبيد ونحوهم، وكذلك الحاجة لكشف وجوه الإماء لأنهن سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها عند الشراء. فالمراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛
وهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء (^٢). وليس المراد معاملة المرأة الحرة مع الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣
_________________
(١) . وهم من وصفهم الله تعالى في كتابه بالطوافين لكثرة دخولهم البيوت لخدمة مواليهم فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ إلى قوله ﴿ ﴾ النور: ٥٨
[ ٥٣ ]
ومما يشهد لما ذكرنا من أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء:
قول ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): وإنما كره عمر للإماء أن يتهيأن بهيئة الحرائر لئلا يظن أنهن حرائر فيضاف إليهن التبرج والمشي وينسب ذلك منهن إلى ما وقع الظن عليهن فيأثم بذلك الظان، ومعلوم أن الإماء ينصرفن في خدمة ساداتهن فيكثر خروجهن لذلك وتطوافهن.
وكذلك ما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (^١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (^٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب.
وما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ):
فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.
_________________
(١) (المكاتب) هو الذي تعاقد مع سيده على مبلغ من المال إذا أداه أصبح حرا.
(٢) سنن أبي داود ٤/ ٢١ (٣٩٢٨) جامع الترمذي ٣/ ٥٦٢ (١٢٦١) وقال حسن صحيح.
[ ٥٤ ]
كما إن من أهل العلم من أنكر إطلاق جواز الكشف والنظر للإماء للبيع والشراء:
كما في مواهب الجليل لشرح مختصر خليل (٣/ ٤٠٥): ومقتضى كلام القباب في مختصر أحكام النظر لابن القطان أنه لا يجوز النظر إليهن للبيع والشراء.
قال ابن القطان في أحكام النظر/١٩٣: (حكم نظر من يريد شراء أمة يقلبها) مسألة؛ ليس من الضرورات احتياجها إلى أن تبيع وتبتاع أو تستصنع وقد روي عن مالك أنه قال: أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم ولا تترك الشابة تجلس إلى الصناع، وأما المتجالة والخادم الدون ومن لا يتهم على القعود عنده فلا بأس بذلك، وهذا كله صواب من القول، فإن أكثر هذه ليست بضرورات مبيحة للتكشف، فقد تستصنع وتتصرف بالبيع والشراء وغير ذلك وهي مستترة. ولا يمنعن - الإماء - من الخروج والمشي في حاجاتهن ولو كن معتدات وإلى المساجد، وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين، بل يخرجن وهن تفلات ولا يتوسطن في المشي الطرقات بل يلصقن بالجدران وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: أما بروزهن للتهمة والنظر والتعرض للفساق
فيجب إنكاره والمنع منه، وأما خروجهن للحوائج والمهمات، وعلى غير وجه التعرض للفساد، فإنه غير منكر لأنه غير مطلق لهن، وقد يخرجن لسماع الوعظ وتعلم العلم والفضيلة من صلاة أو غير ذلك ونحوه لمن أمن الافتتان بهن من العجائز وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال. انتهى كلامه بنصه وهو صواب كما ذكر. اهـ
[ ٥٥ ]
ولذلك فلا حجة في هذا القول على جواز كشف وجه المرأة الحرة لمن ضرب دونهم الحجاب من الرجال الأحرار الأجانب.
(٣) أما قول الشيخ الألباني (وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه "العمدة") فهو أيضا عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهذا نص قول ابن قدامة من كتابه (العمدة):
(باب شروط الصلاة) وهي ستة: (أحدها) الطهارة من الحدث، لقول رسول الله - ﷺ - "لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ" (الشرط الثاني) الوقت، ووقت الظهر. . . (الشرط الثالث) ستر العورة بما لا يصف البشرة، وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة. ومن صلى في ثوب مغصوب. . . اهـ
وبذلك يتبين أن ما استشهد به الشيخ الألباني عن ابن قدامة من كتابيه المغني والعمدة لم يكن عن عورة المرأة بالنسبة للنظر، وإنما كان عن عورة المرأة في الصلاة، أما قول ابن قدامة في عورة المرأة بالنسبة للنظر إليها فهو قوله في المغني (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.
[ ٥٦ ]