كما يشهد لذلك أيضا الآية التي جاءت بعدها آمرة بإنكاح وإحصان من يحل لهم الدخول دون حجاب من العبيد:
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ النور: ٣١ - ٣٣
- سادسا: من القرائن في الآية ما شرع من الاستئناس قبل الدخول في البيوت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النور: ٢٧ واختصاص هذا الحكم في هذه الآية بمن يحل لهم الدخول في البيت دون حجاب؛ يشهد له أمور:
[ ٤٣٣ ]
(١) أن المنهي عنه في الآية هو الدخول بغير استئناس؛ وليس المنهي عنه هو الدخول، وهذا يدل على أن الداخل ممن أجاز له الشرع الدخول دون حجاب (^١)، لأنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - التشديد في النهي عن دخول الرجال الأجانب على النساء فقال - ﷺ - " إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال" الحمو الموت". (^٢)
(٢) أن الاستئذان في هذه الآية جاء بلفظ الاستئناس (^٣) ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (^٤) والاستئناس كما صح عن مجاهد - ﵁ - في قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: تنحنحوا وتنخموا. (^٥)
_________________
(١) يؤكد ذلك: أن تقييد البيوت المنهي عن دخولها بغير استئناس باستثناء بيوت المخاطبين منها ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ يوحي بقرب هذه البيوت للمخاطبين، بخلاف لو جاء النهي مطلقا لدل على عمومه، وكذلك لما كانت البيوت المنهي عن دخولها غير محددة فهي تختلف من رجل إلى آخر كل حسب محرميّته، جاءت نكرة ﴿بُيُوتًا﴾، ولو كان المراد هو جميع البيوت لجاءت معرّفة بأل كأن يقول (لا تدخلوا البيوت غير بيوتكم) أو لعُرّفت بالإضافة (بيوت غيركم).
(٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥٤ (٤٩٣٤) صحيح مسلم ٤/ ١٧١١ (٢١٧٢).
(٣) وهو مغاير للاستئذان العام الذي شُرع مقرونا بضرب الحجاب ومنع دخول الرجال على النساء في سورة الأحزاب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الأحزاب: ٥٣ وجاء بيانه في السُّنة: عن ربعي قال حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي - ﷺ - وهو في بيت فقال: أألج، فقال النبي - ﷺ - للجارية" اخرجي فقولي له: قل السلام عليكم أأدخل، فإنه لم يحسن الاستئذان". سنن أبي داود ٤/ ٣٤٥ (٥١٧٧) صححه الألباني في صحيح الجامع. حديث رقم (٤٣٩٧). وجاء عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى النبي - ﷺ - والنبي - ﷺ - بأعلى الوادي قال فدخلت عليه ولم أسلم ولم استأذن فقال النبي - ﷺ - ارجع فقل السلام عليكم أأدخل. سنن أبي داود ٤/ ٣٤٤ (٥١٧٦) جامع الترمذي ٥/ ٦٤ (٢٧١٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٣٤٤. كما يتبين من هذه الأحاديث أن المشروع في الاستئذان العام؛ تقديم التسليم على الاستئذان كما روي عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: "لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام"، أما في هذه الآية فالاستئناس مقدم على التسليم فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٣/ ٩٠): فالاستئناس التنبيه ثم يكون بعده التسليم.
(٤) قال بعض المفسرين" تستأنسوا" هو خطأ ووهم من الكاتب وأن الصحيح" تستأذنوا" مستشهدين على ذلك بقول لابن عباس! وقد أنكر عليهم هذا القول القرطبي وابن كثير وقال أبو حيان: من روى عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس بريء من ذلك القول.
(٥) تفسير الطبري (٨/ ١١١) من عدة طرق، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٦)
[ ٤٣٤ ]
وقال جابر بن زيد الاستئناس: التنحنح والتجرس حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد، قال: والتجرس كلامه وتنحنحه. (^١)
وصح عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. (^٢) وفي رواية عن أبي عبيدة قال كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس سلم ورفع صوته. (^٣)
(٣) يؤكد ذلك قول أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ١٦٧): ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان
_________________
(١) تفسير الطبري ١٨/ ١١٢.
(٢) تفسير الطبري (١٨/ ١١٢) وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨١).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٣).
[ ٤٣٥ ]
وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، ولذلك قال مجاهد الاستئناس التنحنح والتنخع فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله، وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن.
- وقول القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢١٣): ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستعلموا أي تستعلموا من في البيت قال مجاهد (بالتنحنح) أو بأي وجه أمكن ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ويدخل إثر ذلك، وقال معناه الطبري ومنه قوله تعالى (فإن ءانستم منهم رشدا) النساء: ٦ أي علمتم قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان كما قال مجاهد ومن وافقه.
- وقول الألوسي في روح المعاني (١٨/ ١٣٥): وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.
(٤) ثم جاءت قرينة أخرى في الآية التي تليها وهي قوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ النور: ٢٨
فالخطاب موجه فيها لمن يحل له دخول البيت ممن اعتاد دخوله من مماليك وتابعين ونحوهم؛ فنهوا عن دخولها إذا لم يكن أهلها فيها إلا بإذن ممن يملك الإذن ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ عن سعيد بن جبير في قوله
[ ٤٣٦ ]
تعالى ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم (^١). وهذا يشهد لكون المخاطبين من الرقيق ونحوهم.
(٥) وقرينة أخرى في آخر السورة في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ النور: ٥٨ فبعد أن شُرع الاستئناس لمن يحل له دخول البيت دون استئذان؛ وقع الحرج ممن يكثر دخولهم وخروجهم في جميع الأوقات وهم الصبية المميزون والمملوكون، فقُيّد دخولهم أوقات النوم وانكشاف العورات ووضع الثياب؛ بأن شرع لهم الاستئذان في هذه الأوقات (^٢)، ورفع الحرج عنهم فيما عدا هذه الأوقات فأذن لهم الدخول بلا استئناس ولا استئذان (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم).
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٨.
(٢) بقرينة تقييد الاستئذان في هذه الآية بقوله (ثلاث مرات) وهذه هي الصفة المعهودة في الاستئذان كما في صحيح البخاري ٥/ ٢٣٠٥ (٥٨٩١) قال النبي - ﷺ - " الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع"، قال ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ١٩٧، والقرطبي في تفسيره ١٢/ ٣٠٤: قال بعض أهل العلم إن الاستئذان ثلاثا مأخوذا من قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال يريد ثلاث دفعات، فورد القرآن في المماليك والصبيان، وسنة رسول الله - ﷺ - في الجميع. اهـ
[ ٤٣٧ ]
(٦) ثم قال تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النور: ٥٩
فبعد أن رخّص الله تعالى للصبية المميزين الدخول في غير الأوقات الثلاث بغير استئذان ولا استئناس؛ عقب ببيان حالهم بعد البلوغ عند الدخول على أهلهم، فشرع لهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا عند دخولهم على أهليهم بالاستئناس في جميع الأوقات، ولذا قيد أمرهم بالاستئذان بقوله ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي فليستأذنوا كاستئذان من شرع لهم الاستئناس عند الدخول في أول السورة.
قال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٥٢): المقصود بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع ولا ريب في أن بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في الواقع، وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم أي فليستأذنوا استئذانا كائنا مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات. (^١)
_________________
(١) وانظر: تفسير أبي السعود ٦/ ١٩٥، روح المعاني للألوسي ١٨/ ٢١٦.
[ ٤٣٨ ]
ومما يشهد لذلك ما أُثر عن سعيد بن المسيب أنه قال ليستأذن الرجل على أُمّة فإنما نزلت ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ في ذلك. (^١)
ولو كان المراد هو الاستئذان العام لجاء الأمر لهم بالاستئذان مطلقا دون تشبيهه باستئذان الذين من قبلهم. ولهذا قال الله تعالى أيضا في ختام هذه الآية ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وخلاصة ما سبق أن المعني بالخطاب في هذه الآية هم من يحل لهم الدخول على المرأة دون حجاب وليس الرجال الأحرار الأجانب الذين لا يحل لهم الدخول على النساء الحرائر، كما سبق من قول أبي بكر الجصاص: وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن. وقول الألوسي: وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.
- سابعا: ومن القرائن في الآية أن الأمر بغض البصر جاء فيها مبعضا بـ "من" التبعيضية أي الغض من البصر لا غض البصر كلّه، مما يدل أيضا على أن الأمر في هذه الآية متعلق بمن يحل لهم النظر، أما الرجال الأحرار الأجانب فقد سبق أن أنزل الله في سورة الأحزاب منعهم من النظر بالكلّية إلى النساء الأجنبيات الحرائر بضرب الحجاب بينهم ومنعهم من الدخول عليهن في البيوت - كما سبق بيان ذلك- ولحرص الشارع الحكيم على قطع أسباب الزنا أمر من أُبيح لهم الدخول والنظر الغضّ من البصر؛ سواء كان النظر للمحارم، أو
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٣٨، ابن جرير الطبري في تفسيره ١٨/ ١٦٥، ابن عبد البر في التمهيد.
[ ٤٣٩ ]
للإماء اللاتي لم يُفرض عليهن الحجاب، أو نظر العبيد ونحوهم للوجه والكفين من النساء الأجنبيات الحرائر؛ يشهد لذلك أنه لم يرد في تأويلها ما يدل على أن المراد غض بصر الرجال الأحرار عن وجوه من حال الحجاب دون النظر إليهن من النساء الحرائر - وإن كان هذا مأمور به ولكن ليس المراد هنا -بل جاء في تأويلها ما يدل على أن المراد الغض من البصر حال جواز النظر:
قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم؛ من شهواتهم مما يكره الله. (^١)
وقال جابر بن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه. (^٢)
وقال قتادة: أي عما لا يحل لهم. (^٣)
قال الطبري في تفسيره جامع البيان (١٨/ ١١٦): قال يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله إنما قال الله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم).
قال الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان (٧/ ٨٦) والبغوي في معالم التنزيل (٣/ ٤٠١) واختلفوا في قوله (مِنْ) فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم،
_________________
(١) ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٧، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٠ (١٤٣٧٣)
(٢) ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٧.
(٣) من الدر المنثور ٦/ ١٧٦، البخاري في صحيحه في التعاليق ٥/ ٢٢٩٩.
[ ٤٤٠ ]
وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يحل النظر إليه.
قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٢٩) والنسفي في مدارك التنزيل (٢/ ٤٩٩): (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) من للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع؛ ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها - ممن أُبيح لهم الدخول والنظر من العبيد المملوكين ونحوهم.
قال ابن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٦٦): والغض المأمور به هو عن النظر إلى العورة، أو إلى ما لا يحل من النساء.
قال أبو حفص سراج الدين النعماني في اللباب في علوم الكتاب (١٤/ ٣٤٩): قال الأكثرون: المراد غض البص عما يحرم والاقتصار به على ما يحل ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن، وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفروج فمضيق.
قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٢): ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج غير أن ذلك معلوم بالعادة وأن المراد منه المحرم دون المحلل وفي البخاري وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء
[ ٤٤١ ]
العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك، يقول الله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وقال قتادة (عما لا يحل لهم) وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال (سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) (^١) ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها.
- ثامنا: بعد أن شُرع الاستئناس وأمر بغض البصر عما يحرم عليه رؤيته، وكانت الفروج من أعظم ذلك؛ جاء الأمر بحفظها بسترها عمن لا يحل له النظر إليها، وهذه قرينة أيضًا وهي أن المراد بحفظ الفروج في هذه الآية؛ حفظها عن النظر - وإن كان حفظها عن النظر بسترها؛ يستلزم حفظها عن الزنا - يشهد لهذا ما ورد في تأويلها عن السلف:
- قال أبو العالية كل فرج ذكر حفظه في القرآن فهو من الزنا إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فإنه يعني الستر. (^٢)
- وقال جابر بن زيد كل ما في القرآن من حفظ للفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. (^٣)
_________________
(١) صحيح مسلم ٣/ ١٦٩٩ (٢١٥٩).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧١ (١٤٣٧٩)، وابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٦.
(٣) من الكشاف للزمخشري ٣/ ٢٣٤، تفسير الثعالبي ٧/ ٨٦، وذكره الشنقيطي في أضواء البيان ٦/ ١٨٨.
[ ٤٤٢ ]