الوجه؛ مع بقاء الآية الأولى محكمة غير منسوخة!! فإذا دل هذا الأمر على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة من إحدى الثلاث طوائف التي وجه لها الأمر في هذه الآية: أزواج النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين؛ دل ذلك على وجوبه في حق الطائفتين الأخريين.
- قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٤): والقرينة المذكورة هي قوله تعالى ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب.
رابعًا: أنكر الشيخ الألباني دلالة آية إدناء الجلابيب على تغطية الوجه بقوله: فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وليس على وجهها وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة.
والجواب عليه بالآتي:
١) أنه سبق أن أقرَّ بهذا المعنى لإدناء الجلابيب في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) في معرض كلامه عن تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء حيث قال: (الجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان). وكذلك فيما استشهد به في كتابه الجلباب (ص ٨٣) حيث قال: والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال وقال ابن حزم (٣/ ٢١٧): "والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله - ﷺ - هو ما
[ ٧٤ ]
غطى جميع الجسم لا بعضه" وقال ابن كثير: "هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم".
قلت: ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها، كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها". (^١) قال الكشميري في فيض الباري (١/ ٥٠٣): (قوله: "لتلبسها " علم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب. والجلباب: رداء ساتر من القرن إلى القدم، وقد مر معنا أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج) (^٢) اهـ
_________________
(١) أم عطية هذه كانت من الإماء يشهد لذلك قولها " غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى" ولذلك لم يكن لها جلباب، وفي الحديث دلالة على أن لبس الجلباب واجب على الحرائر والإماء، إلا أن الحرائر أُمرن أن يدنينه على وجوههن، يشهد لذلك أن عمر - ﵁ - كان فيما صح عنه ينهى الإماء من التقنع وليس من لبس الجلباب، كما صح عنه أنه لما رأى أمة متقنعة قال: (ما بال الجلباب ضعيه عن رأسك).
(٢) قال الشيخ الألباني: وتقييده الخمر بالبيوت فيه نظر؛ فالحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر وتلبس الجلباب على الخمار؛ لأنه كما قلنا سابقا أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها وهذا أمر يطلبه الشارع. اهـ والذي يظهر أن الكشميري لم يُرِد أن الجلباب يغني عن الخمار عند الخروج؛ ولكنه أراد أن يشير إلى معنى آخر وهو أن الخمار محتاج إليه للستر في البيوت - كما سيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث الثامن والتاسع إن شاء الله - قال الكشميري في الموضع المشار إليه (١/ ٣٤٨): فإن قلت: إن إدناء الجلباب يغني عن ضرب الخمر على جيوبهن. قلت: بل إدناء الجلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة، وضرب الخمر في عامة الأحوال، فضرب الخمر أيضا محتاج إليه.
[ ٧٥ ]
٢) أن كون الجلباب؛ هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها؛ لا ينفي كون الوجه داخل فيما تستره الملاءة! لأن الالتحاف لا يشترط في معناه أن يخرج الوجه من جسد الملتحف!! كما أن تغطية الوجه فرضت بأمر زائد على لبس الجلباب ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهو إدناءه عليها حتى يستر وجهها كما أطبق على ذلك جل أهل العلم من لغويين ومفسرين وفقهاء ومحدثين كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول وكما سيأتي:
- قال العلامة البارع اللغوي أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٩): الجلباب: ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس ﵄: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ.
- قال الإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن في لباب التأويل في معاني التنزيل (٥/ ٢٧٦): يدنين. أن يرخين ويغطين عليهن من جلابيبهن جمع جلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل الملحفة وكل ما يستتر به من كساء، وغيره. قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة.
[ ٧٦ ]
- وقال برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي في نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٦/ ١٣٥): ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين.
- وقال العلامة زين الدين أبو الفرج الشهير بابن رجب في فتح الباري (٢/ ١٣٨): (الجلباب): قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما: هو الرداء، يستر أعلاها، إلا أنه يقنعها فوق رأسها، وقد فسر عبيدة السلماني قولالله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ بأنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، وهذا كان بعد نزول الحجاب، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء.
- وقال العلامة الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): وهو ثوب أكبر من الخمار قال الجوهري الجلباب الملحفة وقيل القناع وقيل هو ثوب يستر جميع بدن المرأة.
٣) إن عدم ذكر الوجه والكفين في كتب اللغة لا يلزم منه إخراجهما مما يستر؛ لأن كتب اللغة لم تصرح كذلك بستر القدمين ولا الشعر ولا الذراعين؛ فهل يخرج ذلك كله مما يستره الجلباب؟!! كما إن ما جاء في كتب اللغة أن الجلباب؛ (ما تتغطى به المرأة) و(تغطي به المرأة رأسها) فإن المراد به تغطية الرأس كله
[ ٧٧ ]
بما فيه الوجه كما ذكر صاحب نظم الدرر: (وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها) كما إن التغطية إذا أطلقت على المرأة (امرأة متغطية) فالمراد أنها مغطية لوجهها ومن ذلك:
- تفسير غريب ما في الصحيحين لمحمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي (١/ ٥٧٥): الجلباب: ما تتغطى به المرأة من ثوب أو غيره.
- تاج العروس من جواهر القاموس لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي (٢/ ١٧٥): وخصه بعضهم بالمشتمل على البدن كله وقال تعالى (يُدنِينَ عَلَيهِنَّ من جلابِيبِهِنَّ) وقيل: هو ما تغطّي به المرأة.
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي (١/ ١٠٤): (الجلباب) ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء وقال ابن فارس (الجلباب) ما يغطى به من ثوب وغيره.
كما إنه قد ثبت في كتب اللغة أن من معاني الجلباب؛ المقنعة:
- كما في مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٤٩): الجلباب قال النضر هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها.
- وفي النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٣): والجلباب: الإزار والرداء. وقيل الملحفة. وقيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها.
[ ٧٨ ]
- وفي تاج العروس (٢/ ١٧٥): الجلباب: ثوب أقصر من الخمار وأعرض منه، وهو المقنعة.
وقد جاء التصريح في كتب اللغة أن المقانع التي تغطي بها النساء رؤوسهن؛ شامل لوجوههن:
- كما في التكملة للصغاني (ت ٦٥٠) (٥/ ٥٢١) والقاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس للزبيدي (٣٠/ ٤٣٧): والمميلات؛ اللاتي يملن قلوب الرجال إليهن، أو يملن المقانع عن رؤوسهن لتظهر وجوههن وشعورهن.
٤) قال الشيخ الألباني في كتابه الجلباب ص ٦: (فسروا الجلباب بأنه الثوب الذي يغطي الوجه، ولا أصل له في اللغة بل هو ينافي تفسير العلماء بأنه الثوب الذي تلقيه المرأة على خمارها، ولم يقولوا على وجهها) لكنه لم ينقل شيئا من أقوال المفسرين في تفسير آية إدناء الجلابيب كما أسلفنا! فقد اقتصر في معنى إدناء الجلباب بالاستشهاد بأثر ابن عباس عن كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها، وبالمعنى العام للإدناء لأحد اللغويين! هذا فقط ما استشهد به الشيخ الألباني؛ وقد استشهدنا بما أجمع عليه أئمة المفسرين واللغويين، والفقهاء والمحدثين بأن المراد من الأمر بإدناء الجلابيب؛ هو تغطية الوجه.
[ ٧٩ ]