_________________
(١) :: تتمة البحث الخامس (١):: أنكر الشيخ الألباني على من قال "إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء - ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه - إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب"! فقال الشيخ الألباني: وتأكيدًا لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة فأقول: أولا: مذهب أبي حنيفة: قال الإمام محمد بن الحسن في "الموطأ": " ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلًا من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا". وقال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٣٩٢): " أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد". ثانيًا: مذهب مالك: روى عنه صاحبه عبد الرحمن بن القاسم في" المدونة" (٢/ ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال: " فإن كانت لا تريد سترًا فلا تسدل". ونقله ابن عبد البر في" التمهيد" (١٥ - ١١١) وارتضاه.
[ ١٦٧ ]
وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بالوجه والكفين (٦/ ٣٦٩): " وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب" قال "هذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها".
وفي" الموطأ" رواية يحيى (٢/ ٩٣٥): " سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". قال الباجي في" المنتفى شرح الموطأ" (٧/ ٢٥٢) عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها".
ثالثًا: مذهب الشافعي: قال في كتابه" الأم" (٢/ ١٨٥): " المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي " وقال البغوي في" شرح السنة" (٩/ ٢٣): "فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضًا عند خوف الفتنة".
رابعًا: مذهب أحمد: روى ابنه صالح في" مسائله" (١/ ٣١٠) عنه قال: " المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها". قلت: فقوله: " ليس به بأس" يدل على جواز السدل فبطل القول بوجوبه كما بطل تقييده للرواية الأخرى عن الإمام الموافقة لقول الأئمة الثلاثة بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة كما تقدم في كلام ابن هبيرة وقد أقرّها ابن تيمية في" الفتاوى" (١٥/ ٣٧١)
[ ١٦٨ ]
وهو الصحيح من مذهبه كما تقدم عن" الإنصاف" وهو اختيار ابن قدامة كما تقدم في" البحث الأول" وعلل ذلك بقوله: " ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما بالنقاب لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء"، ومثل هذا التعليل ذكر في كثير ممن الكتب الفقهية وغيرهما كـ "البحر الرائق" لابن نجيم المصري (١/ ٢٨٤) وتقدم نحوه عن الشوكاني.
ومما سبق يتبين للقراء الكرام أن أقوال الأئمة الأربعة متفقة على تخيير المرأة المحرمة في السدل على وجهها وعدم إيجاب ذلك عليها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد دل قول مالك في" الموطأ" وقول ابن عبد البر: "وغير صلاتها" وكذلك تخيير الأئمة المحرمات بالسدل؛ أن ذلك خارج الصلاة. اهـ
ثم استشهد الشيخ الألباني بما ورد عن أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ قولًا وفعلًا فقال: أما القول فهو: " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت" أخرجه البيهقي في" سننه" (٥/ ٤٧) بسند صحيح وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت: " فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له: وهل ترى من أحد "أخرجه مسلم (٤/ ٣٤) فلكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفًا فتغطيتها لوجهها بالسدل فعلٌ منها نقول به، ولكن لا يدل على الوجوب خلافًا لزعم المخالفين.
[ ١٦٩ ]