_________________
(١) :: تتمة البحث الرابع:: قال الشيخ الألباني: وهنا لا بد لي من بيان خطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة في نزول آية (الخُمُر) المتقدمة، فقال الحافظ قول عائشة: " فاختمرن بها": (أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار). فأقول: تفسير الحافظ " غطين وجوههن" يناقض قوله: " وصفة ذلك " فإن هذا لو طُبَّق لوجد الوجه مكشوفًا غير مغطى! ويؤكد ذلك تشبيه الحافظ خمار المرأة بعمامة الرجل، وكذلك قوله: " وهو التقنع"، ففي كتب اللغة: (تقنّعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها)، كما في" المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في" الفتح" (٧/ ٢٣٥ و١٠/ ٢٧٤»: التقنع: تغطية الرأس (وبناءً على ما سبق فقوله" وجوههن"، يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: " صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازيًا أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة، فقد وجدت في" الفتح" نحوه في موضع آخر تحت حديث البراء - ﵁ -: " أتى النبي - ﷺ - رجلٌ مقنع بالحديد " (قوله: " مقَنَّع" كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب) فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلًا عن القتال، فبهذه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة التفسير والحديث والفقه واللغة، ثبت قولنا: إن الخمار غطاء الرأس، ولا ينافي كون الخمار غطاء الرأس أن يستعمل أحيانًا لتغطية الوجه. وإذا عرفت هذا
[ ١٠٣ ]
فمن قال بأن" الاعتجار مطابق للاختمار في المعنى" فأقول: نعم هو كذلك بالمعنى الصحيح المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة قال الإمام الفيروزآبادي في" قاموسه" والزبيدي في" تاجه" (الاعتجار: لي الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك) وفي بعض العبارات: هو" لف العمامة دون التلحِّي" وروي عن النبي - ﷺ - " أنه دخل مكة يوم الفتح معتجرًا بعمامة سوداء" المعنى: أنه لفها على رأسه ولم يتلح بها. والمعجر كمنبر: ثوب تعتجر به المرأة أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة وهو ثوب تلفّه المرأة على استدارة رأسها ثم تجلبب فوقه بجلبابها) وهذا لا ينافي ما احتجَّ به ابن حجر: (قال ابن الأثير: وفي حديث عبدالله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه. الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفّها على رأسه ويَرُدُّ طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه) قلت: لا ينافي هذا ما تقدم عن العلماء من الشرح لـ (الاعتجار) لأن ما قاله ابن الأثير مصرح به في الحديث: " ما يرى منه إلا عينيه" فهو صفة كاشفة لـ (الاعتجار) وليست لازمة له كما لو قال قائل: (جاء مختمرًا لا يرى منه إلا عيناه) ولذلك لم يزد الحافظ على قوله: " (معتجر) أي: لافّ عمامته على رأسه من غير تحنيك". وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضمَّ إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر.
[ ١٠٤ ]