* بعد أن تبين أنه لايصح ما ذكره الشيخ الألباني من أسباب ترجيح الرواية الثانية؛ فلنا أن نرجح ونقوي - وإن كانت الروايتان تتفقان على تغطية الوجه - رواية ابن عباس" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عينًا واحدة" للأمور الآتية:
(١) أنها أصح إسنادا؛ كما بينّاه مفصلا في مناقشة البحث الثالث؛
قال السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥): عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
وهي رواية قوّاها الإمام أحمد، واحتج بها البخاري في" الجامع الصحيح" وابن أبي حاتم في" تفسير القرآن" واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره" محاسن التأويل" والإمام القرطبي في تفسيره" الجامع لأحكام القرآن" وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة وغيرهم من المفسرين فكانت قوية محتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، كما أن ظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.
(٢) أنها الموافقة لفعل النبي - ﷺ - فإنه عندما اصطفى لنفسه صفية بنت حيي من سبي خيبر ( فلما ارتحل وطَّى لها خلفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس وفي
[ ٢٩٣ ]
رواية (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) (^١). وكما في حديث عائشة ﵂ قالت (رأيت النبي - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد). (^٢)
(٣) أنها الأقرب لمعنى الإدناء لغة كما بيّناه في مناقشة البحث الأول؛ كما فسّرها بذلك أئمة التفسير ممن هم أئمة في اللغة العربية:
- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.
- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٢٧٤): "يدنين عليهن" يرخين عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.
(٤) لكثرة شواهدها:
١ - صح عن عبيدة السلماني لما سئل عن قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه فغطى أنفه
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٧) والرواية الأخرى لابن سعد ٨/ ٨٦ وقدصححها الألباني في جلباب المرأة/١٠٧.
(٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٦ (٤٩٣٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٨ (٨٩٢)
[ ٢٩٤ ]
وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (^١)
٢ - صح عن ابن عباس في صفة تغطية المحرمة وجهها (تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال: لاتعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (^٢)
٣ - عن ابن عباس " كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها". (^٣)
٤ - صح عن قتادة (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (^٤)
٥ - عن سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) (^٥)
(٥) جريان العمل به من نساء سلف هذه الأمة امتثالا لهذه الآية:
_________________
(١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ صححه أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).
(٢) أبو داود في مسائل الإمام أحمد /١١٠، الشافعي في مسنده ١/ ١١٨ وفي الأم ٢/ ١٤٩، واللفظ له.
(٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ قال الألباني في الرد المفحم /١١: ضعيف السند لكن له شواهد.
(٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦. صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥. عزاه الألباني في جلباب المرأة /٨٥ للدر المنثور ساكتا عليه.
[ ٢٩٥ ]
١ - عن أم سلمة ﵂ قالت (لما نزل ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها). (^١)
٢ - عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - كأنما على رؤوسهن الغربان) (^٢) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن الاعتجار يعني تغطية الوجه.
٣ - عن عائشة ﵂ قالت (إن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد) (^٣) وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.
٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي). (^٤) وصح عنها أنها قالت لما خرج رسول الله - ﷺ - ليلا ليستغفر لأهل البقيع) اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره). (^٥) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.
_________________
(١) ابن أبي حاتم في تفسيره، أبو داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١.
(٢) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٦٦٠.
(٣) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.
(٤) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٤ (٤٤٧٣) صحيح مسلم ٤/ ٢١٢٩ (٢٧٧٠).
(٥) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ (٩٧٤).
[ ٢٩٦ ]
٥ - عن عائشة ﵂ قالت (فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها) (^١) وقالت (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) (^٢).
٦ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام). (^٣)
٧ - عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) (^٤).
٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة) (^٥)
٩ - قال عاصم الأحول (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا؛ وتنقبت به) (^٦)
_________________
(١) مسند أحمد (٢٤٠٢١) سنن أبي داود (١٨٣٣) حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٥٢) وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح (٢/ ٨٢٣) ثم قال في جلباب المرأة / ١٠٨: حسن في الشواهد!!
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح كما في فتح الباري ٣/ ٤٠٦. وصحح إسناده على شرط الشيخين التويجري في الرد القوي / ٢٤٦، وعبد العزيز الطريفي في الحجاب في الشرع والفطرة /١٠١.
(٣) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٢٤ (١٦٦٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢ ..
(٤) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٥) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ واللفظ له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات.
(٦) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣١٢) صححه الألباني في جلباب المرأة /١١٠.
[ ٢٩٧ ]
١٠ - وجاءت امرأة إلى سمرة بن جندب - ﵁ - فذكرت أن زوجها لا يصل إليها قال وجاءت المرأة متقنعة) (^١)
١١ - عن زينب امرأة عبد الله قالت كانت عجوز تدخل علينا وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه. (^٢)
(٦) احتجاج أهل العلم بهذه الرواية؛ فقهاء ومحدثين ومفسرين فكان ذلك إجماعا منهم على حجيتها ووجوب العمل بها.
وبذلك نكون قد أقمنا الحجة على صحة حديث ابن عباس على أصول علم الحديث. وتبين خطأ الشيخ الألباني في تضعيفه لأثر ابن عباس، فإن أقل ما يقال في إسناده لو خلا مما ذكرنا مما يقويه ويعضده إنه حسن؛ والحديث الحسن يعمل به ويحتج به.
كما جاء في قواعد التحديث لمحمد جمال الدين القاسمي (١/ ١٠٦): بيان كون الحسن حجة في الأحكام: قال الأئمة: الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجه طائفة من نوع الصحيح وقال السخاوى في الفتح: منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه، قال الخطابي: على الحسن مدار أكثر الحديث، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وعمل به عامة
_________________
(١) البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٢٨ حسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٣.
(٢) سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦ (٣٥٣٠) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦.
[ ٢٩٨ ]
الفقهاء، وقبله أكثر العلماء. اهـ وقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٩٣): ونحوه قول البغوي: أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. اهـ
فكيف وقد ثبت لحديث ابن عباس ما يقويه؛ من الشواهد، وجريان العمل عليه وقبول أهل العلم واحتجاجهم به مما يرتقي به من الحسن إلى الصحيح!
* وبعد أن تبين صحة الاحتجاج بقول ابن عباس في تفسير الإدناء على وجوب تغطية الوجه؛ فلنا أن نذكّر بما ذكره الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد الاستشهاد به وهو أن:
"تفسير الصحابي حجة بل هو في حكم المرفوع إلى النبي - ﷺ - "
كما قال الحافظ ابن حجر في النكت (٢/ ٥٣١): والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع.
وبذلك ثبت أن تغطية المرأة الحرة لوجهها واجب وفرض بناء على تفسير الحبر (ابن عباس) لآية إدناء الجلابيب.
[ ٢٩٩ ]