مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فأمرهن إذا خرجن أن يدنين عليهن من جلابيبهن ليسترن وجوههن وسائر أبدانهن
_________________
(١) ووضع الشروط لخروجهن وسيأتي بيانها في مناقشة البحث السابع إن شاء الله وبهذا تم أمر الحجاب في حالتي الخروج والاستقرار في البيوت. فيكون الفرق بين الآيتين في الطريقة التي تحتجب بها المرأة عن نظر الرجال حسب المكان كما قال شيخ الإسلام "فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن" ومما يثبت اتفاق الآيتين على معنى الحجاب (تغطية الوجه) ما ثبت في صحيح السنّة من تسمية كل من الآيتين بـ (آية الحجاب): أما آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فقد ثبت من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: أنا أعلم الناس بهذهِ الآية آية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش ﵂ إلى رسول اللَّه - ﷺ - كانت معه في البيت، صنع طعاما ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي - ﷺ - يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
[ ٥٩ ]
وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ فضُرب الحجاب وقام القوم. (^١)
أما آية الحجاب الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد ثبت تسميتها آية الحجاب في القصة التي كانت سببا لنزولها كما جاء في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت (خرجت سودة بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة، ورسول الله - ﷺ - في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" (^٢) وفي رواية قالت (فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله ﷿ آية الحجاب). (^٣) (^٤)
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ١٧٩٩ (٤٥١٤).
(٢) صحيح البخاري ٤/ ١٨٠٠ (٤٥١٧) صحيح مسلم ٤/ ١٧٠٩ (٢١٧٠).
(٣) صحيح البخاري ٥/ ٢٣٠٣ (٥٨٨٦).
(٤) ١ - مما يبين أن القصة واحدة أن البخاري جمع بين الروايتين في موضع آخر في صحيحه ١/ ٦٧ (١٤٦) فقال بعد أن أورد حديث عائشة ﵂ "أن أزواج النبي - ﷺ - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر يقول للنبي - ﷺ - احجب نساءك فلم يكن رسول الله - ﷺ - يفعل فخرجت سودة=
[ ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بنت زمعة زوج النبي - ﷺ - ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله آية الحجاب" وحدثنا زكريا قال حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال (قد أُذِن أن تخرجن في حاجتكنَّ).
(٢) صرحت عائشة ﵂ بموافقة الله تعالى لعمر - ﵁ - فيما كان يطلبه من الرسول - ﷺ - من حجب نسائه بستر وجوههن عند الخروج، لأنه سبق أن ضرب عليهن الحجاب في البيوت بعدم الدخول عليهن ومخاطبتهن إلا من وراءحجاب، وكان ذلك أيضا من جملة ما أراده عمر - ﵁ - فكان يقول "يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر" صحيح البخاري ١/ ١٥٧ (٣٩٣). فنزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ صبيحة زواج النبي - ﷺ - بزينب ﵂، ولكنه لم يتم مقصود عمر - ﵁ - بحجب زوجات النبي - ﷺ - بستر وجوههن بالأردية عند الخروج، ولذلك لما كن يخرجن ليلا لقضاء حاجتهن من البراز؛ ورأى عمر سودة فقال لها ما قال حرصا منه على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ ولذلك كان عمر يعد نزول الحجاب من موافقاته فكان يقول " وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أُسارى بدر" متفق عليه، ولو كان مراد عمر هو منعهن من الخروج لما عد نزول الحجاب من موافقاته إذ إنه لم يوافق على منعهن من الخروج! ولا يُتصور أن عمر يريد بقوله (احجبهن) منعهن من الخروج لقضاء حاجتهن وهو يعلم أنه لا طريق لهن لقضاء حاجتهن من البراز إلا بالخروج إلى المناصع! ومن قال بأن عمر - ﵁ - أراد منعهن من الخروج فإنما هو بسبب أنه توهم أن نساء النبي - ﷺ - شرعن بتغطية وجوههن بالجلابيب إثر نزول آية الحجاب الأولى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ والصحيح أنهن إنما شرعن بإرخاء الستر بينهن وبين الرجال في البيوت إثر هذه الآية، ولم يكن يخرجن إلا لقضاء حاجتهن من البراز ليلا كما قالت عائشة ﵂ (وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٥ (٤٤٧٣). فكن يستترن بظلمة الليل إلى أن نزلت آية إدناء الجلابيب إثر قصة سودة فاستترن بها. وفي هذا استدراك لما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٥٣١) واستشهد به الشيخ الألباني في كتابه جلباب المرأة حاشية ص/ ١٠٦: قال الحافظ ﵀ في شرحه للحديث المذكور: "إن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ﵊ احجب نساءك وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ثم قصد بعد ذلك ألا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقة ورفعا للحرج". وقد تبين لك مما سبق الخطأ في ذلك وهو أن الحافظ ابن حجر ممن توهم أن أزواج النبي - ﷺ - شرعن بتغطية وجوههن بالجلابيب إثر نزول آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فظن أن عمر - ﵁ - أراد بعد ذلك ألا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات، وهذا لم يكن كما بينّاه آنفا.
[ ٦١ ]
ومما يؤكد أن المراد بقولها (فأنزل الله آية الحجاب) آية إدناء الجلابيب؛ أنها صرحت في الرواية الأولى أن خروج سودة هذا كان بعدما ضُرب عليهن الحجاب بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فإن لم يكن المراد هنا بآية الحجاب؛ آية إدناء الجلابيب فماذا تكون إذن؟! ومما يؤكد ذلك ويشهد له:
١ - قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في التمهيد (٨/ ٢٣٥): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
٢ - قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٠): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فحجب النساء عن الرجال.
[ ٦٢ ]
٣ - قال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في فتح الباري (١/ ٢٤٩): وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ . وقال في موضع آخر (١١/ ٢٤): حكى ابن التين عن الداودي أن قصة سودة هذه لا تدخل في باب الحجاب وإنما هي في لباس الجلابيب وتُعقب بأن إرخاء الجلابيب هو الستر عن نظر الغير إليهن وهو من جملة الحجاب.
٤ - قال بدر الدين العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥): الحجب ثلاثة؛ الأول: الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَوَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس يدل عليه قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية قال التيمي الحجاب هنا استتارهن بالثياب حتى لا يرى منهن شيء عند خروجهن وأما الحجاب الثاني فهو إرخاؤهن الحجاب بينهن وبين الناس (^١) وقال الداودي قوله (قد أذن أن
_________________
(١) أراد أن الحجاب في هذا الحديث هو لبس الجلابيب عند الخروج، أما الحجاب (الثاني) أي الآخر فهو إرخاء الستر بينهن وبين الرجال في البيوت، وليس مراده أن لبس الجلابيب نزل أولا ثم نزل الأمر بإرخاء الحجاب في البيوت، كما حمله العيني مما جعله يقول إن هذا الكلام يخدشه حديث أنس الذي قال فيه (كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش فأنزل آية الحجاب فضرب بيني وبينه سترا) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ١٩٨٢ (٤٨٧١) بل إن قول أنس - ﵁ - (وكان أول ما أنزل) يدل على أن هناك أمرا آخر نزل في شأن الحجاب؛ وهو الأمر بإدناء الجلابيب.
[ ٦٣ ]
تخرجن) دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت فإن ذلك وجه آخر إنما أراد أن يستترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين.
٥ - وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ) في الإتقان في علوم القرآن (١/ ٦٧): ومنها آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب قال القاضي جلال الدين والظاهر أنها ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية، ففي البخاري عن عائشة (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن). وجاء في لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي (١/ ١٧٩): قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية وأخرج البخاري عن عائشة قالت" خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب. . . فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن".
٦ - قال القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري (٧/ ٣٣٩): " قوله (أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) دفعا للمشقة ورفعا للحرج وفيه تنبيه على أن المراد بالحجابالستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء لا حجب أشخاصهن في البيوت" - أي بمنعهن من الخروج منها -.
[ ٦٤ ]