وسأنقل أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ ليتبين إتفاقهم على أن المراد بالإدناء في هذه الآية هو تغطية الوجه:
* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق. (^١)
* قال الإمام نصر بن محمد أبو الليث السمرقندي (ت ٣٦٧ هـ): فأمر الله تعالى المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن وقال القتبي يلبسن الأردية، ويقال يعني يرخين الجلابيب على وجههن. (^٢)
* قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. (^٣)
* قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ): يدنين عليهن من جلابيبهن والجلباب الرداء يعني يتقنعن به. (^٤)
_________________
(١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦.
(٢) بحر العلوم ٣/ ٦٩.
(٣) أحكام القرآن ٥/ ٢٤٥.
(٤) تفسير االقرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٤١٢.
[ ٣٣ ]
* قال الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري (ت ٤٢٧ هـ): أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنعن بها ويغطين وجوههن ورؤوسهن. (^١)
* قال الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي القرطبي المالكي (ت ٤٣٧ هـ): أي قل لهن يرخين عليهن أرديتهن لئلا يشتبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق. قال ابن عباس في معناها: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن. (^٢)
* قال الإمام علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن (ت ٤٦٨ هـ): قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة. (^٣)
* قال الإمام أبو المظفر منصور السمعاني (ت ٤٨٩ هـ): أي يشتملن بالجلابيب والجلباب هو الرداء وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال عبيدة السلماني تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع بدنها إلا إحدى عينيها. (^٤)
_________________
(١) الكشف والبيان ٨/ ٦٤.
(٢) الهداية الى بلوغ النهاية ٩/ ٥٨٦٩
(٣) التفسير الوسيط ٣/ ٤٨٢.
(٤) تفسير السمعاني ٤/ ٣٠٦.
[ ٣٤ ]
* قال الإمام الفقيه أبو الحسن عماد الدين علي بن محمد الطبري المعروف بـ "الكيا الهراس" (^١) (ت ٥٠٤ هـ): الجلباب: الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن،، ولم يوجب على الإماء ذلك. (^٢)
* قال الإمام أبو الحسين البغوي (ت ٥١٦ هـ): قال جل ذكره ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^٣)
* قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي الحنفي (ت ٥٣٨ هـ): معنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها
عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع. (^٤)
_________________
(١) إلكيا: كلمة فارسية بمعنى الكبير القدر المقدم بين الناس، و"إلكيا الهراس" هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي، الملقب بعماد الدين، ولد سنة (٤٥٠ هـ) وتفقه على إمام الحرمين وهو من أجل تلاميذه بعد الغزالي.
(٢) أحكام القرآن للكيا الهراس ٤/ ٣٥٠.
(٣) معالم التنزيل ٣/ ٥٤٤.
(٤) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ٣/ ٥٦٠.
[ ٣٥ ]
* قال القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ قيل معناه تغطي به رأسها فوق خمارها، وقيل تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى. (^١)
* قال الإمام أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (ت ٥٤٦ هـ): لما كانت عادة العربيات التبذل في معنى الحجبة وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكر فيهن أمر الله تعالى رسوله - ﷺ - بأمرهن بإدناء الجلابيب. (^٢)
* قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال ابن قتيبة: يلبسن الأردية، وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن. (^٣)
* قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ): لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله - ﷺ - أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن. (^٤)
_________________
(١) أحكام القرآن ٣/ ٦٢٥.
(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٩٩.
(٣) زاد الميسر في علم التفسير ٦/ ٤٢٢.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٤٣.
[ ٣٦ ]
* قال الإمام القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي الشافعي (ت ٦٨٥ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة. (^١)
* قال الإمام عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك. (^٢)
* قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فحجب النساء عن الرجال، والجلباب هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وقد حكى أبو عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها. (^٣)
_________________
(١) أنوار التزيل وأسرار التأويل ٤/ ٣٨٦.
(٢) مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٣/ ٣١٥.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٢/ ١١٠.
[ ٣٧ ]
* قال الإمام علاء الدين علي بن محمد الشيحي أبو الحسن البغدادي، الشهير بالخازن (ت ٧٤١ هـ): أي يرخين ويغطين ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^١)
* قال العلامة محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي (ت ٧٤١ هـ): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن. (^٢)
* قال الإمام النحوي المفسر محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن. (^٣)
* قال أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (ت ٧٤٩ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان كالإماء. (^٤)
* قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ): الجلباب هو الرداء فوق الخمار قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن
يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن
_________________
(١) لباب التأويل في معاني التنزيل ٣/ ٤٣٧.
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل ٣/ ١٤٤.
(٣) تفسير البحر المحيط ٧/ ٢٤٠.
(٤) روح البيان ٧/ ١٨٦.
[ ٣٨ ]
بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة. قال محمد بن سيرين سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. (^١)
* قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت ٨٧٥ هـ): أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطين وجوههن ورؤوسهن. (^٢)
* قال الإمام أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي (ت ٨٨٠ هـ) "الجلابيب" جمع "الجلباب" وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال ابن عباس وعبيدة على نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^٣)
* قال الإمام محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الإيجي الشافعي (ت ٩٠٥ هـ) الجلباب: رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل، يعني يرخينها عليهن ويغطين وجههن وأبدانهن. (^٤)
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٥١٩.
(٢) الجواهر الحسان في تفسير القرآن ٨/ ٦٤.
(٣) اللباب في علوم الكتاب ١٥/ ٥٨٩.
(٤) جامع البيان في تفسير القرآن ٣/ ٣٦٧.
[ ٣٩ ]
* تفسير الجلالين المحلي والسيوطي (ت ٩١١ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينًا واحدة. (^١)
* قال الشيخ أبو السعود محمد بن محمد العمادي (ت ٩٥١ هـ): وقيل هي الملحفة وكل ما يتستر به أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي. (^٢)
* قال الإمام إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي (ت ١١٢٧ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان. (^٣)
* قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة. (^٤)
* قال العلامة ومفتي بغداد أبو الفضل شهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ): والظاهر أن المراد ب"عليهن" على جميع أجسادهن وقيل على رؤوسهن أو على
_________________
(١) قرة العينين على تفسير الجلالين ١/ ٥٦٠.
(٢) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٧/ ١١٥.
(٣) تفسير حقي ١١/ ١٣٢.
(٤) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ٤/ ٣٠٤.
[ ٤٠ ]
وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب. (^١)
* قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل (ت ١٣٣٢ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. (^٢)
* قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ): هذه الآية هي التي تسمى آية الحجاب فأمر الله نبيه أن يأمر النساء عموما ويبدأ بزوجاته وبناته أن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه أي يغطين بها وجوههن وصدورهن. (^٣)
* قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ): من الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقال غير واحد من أهل العلم أنهن يسترن بها جميع وجوههن
_________________
(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ٢٢/ ٨٩.
(٢) محاسن التأويل ٨/ ١١٣.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٦٧٢.
[ ٤١ ]
ولا يظهر منهن شيئًا إلا عينًا واحدة تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس وعبيدة السلماني. (^١)
* قال العلامة أبو الأعلى المودودي الحنفي (ت ١٣٩٩ هـ): هذه الآية نزلت خاصة في ستر الوجه. (^٢) وقال: يتضح من هذه الأقوال جميعًا أنه من لدن عصر الصحابة إلى القرن الثامن للهجرة، حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد، هو الذي قد فهمناه من كلماتها، وإذا راجعنا بعد ذلك الأحاديث النبوية والآثار علمنا منها أيضًا أن النساء قد شرعن بلبس النقاب على العموم بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي، وكن لا يخرجن سافرات. اهـ (^٣).
* وبذلك تبين إجماع المفسرين ومنهم أئمة التفسير كالطبري والبغوي وابن الجوزي والقرطبي والبيضاوي والنسفي وابن كثير والشوكاني ومنهم أئمة في اللغة كالفراء والنحاس والزمخشري وأبي حيان ومنهم أئمة في الفقه كعماد الدين الطبري والجصاص وابن العربي والبيضاوي والشوكاني وغيرهم على اختلاف مذاهبهم؛ على تفسير هذا الأمر الرباني الموجه لنساء المؤمنين بتغطية الوجه.
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/ ٢٤٣.
(٢) الحجاب / ٣٢٢. الطبعة الرابعة ١٤٠٧ هـ، الدار السعودية للنشر بجدة.
(٣) الحجاب / ٣٠٢.
[ ٤٢ ]