١) لم يرد نص صحيح مرفوع إلى النبي - ﷺ - على أن إحرام المرأة في وجهها:
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٦/ ١١٢): ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - ﷺ - أنه قال (إحرام المرأة في وجهها) (^٢) وإنما هذا قول بعض السلف.
حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٥/ ١٩٨ - ١٩٩): فإن قيل فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي - ﷺ - أنه قال (إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها) فجعل وجه المرأة كرأس الرجل؟ قيل هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر كاليدين والله أعلم.
_________________
(١) عمدة القاري ٩/ ٢٦٢
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى موقوفا على ابن عمر ٥/ ٤٧ (٨٨٣٠).
[ ٢٠٤ ]
معرفة السنن والآثار للبيهقي (٤/ ٧): روينا عن عبد الله بن عمر - ﵁ - أنه قال لا ترفع المرأة صوتها وعنه أنه قال إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه. وروي ذلك عنه في المرأة مرفوعًا ورفعه ضعيف.
٢) وكذلك ما روي في المنع من النقاب فإنه لم يثبت رفعه إلى النبي - ﷺ -:
كما بين ذلك البخاري في صحيحة ٢/ ٦٥٣ (١٧٤١): حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قام رجل فقال يا رسول الَله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإِحرام فقال النبي - ﷺ - (لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس) إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفّين وليقطع أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين، تابعه موسى بن عقبة وإسماعِيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وبن إسحاق في النقاب والقفازين وقال عُبيد الله ولا ورس، وكان يقول لا تتنقب المحرمَة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر لا تتنقب المحرمة وتابعه ليث بن أبي سليم.
قال ابن حجر في فتح الباري (٤/ ٥٣): قوله وقال عبيد الله يعني ابن عمر العمري ولا ورس وكان يقول لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين يعني أن عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله زعفران ولا ورس، وفصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت ولا سيما إن كان حافظا ولا سيما إن كان أحفظ والأمر هنا كذلك فإن عبيد الله بن عمر في نافع
[ ٢٠٥ ]
أحفظ من جميع من خالفه وقد فصل المرفوع من الموقوف وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك وهو ضعيف وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي. (^١)
سنن البيهقي الكبرى (٥/ ٤٧): قال أبو داود ورواه عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب عن نافع موقوفا على ابن عمر (المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين) قال الشيخ وعبيد الله بن عمر ساق الحديث إلى قوله ولا ورس، ثم قال وكان يقول (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
(٨٨٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو علي الحافظ: لا تنتقب المرأة من قول ابن عمر وقد أدرج في الحديث.
شرح الزرقاني (٢/ ٣١٤): بينت رواية عبيد الله عن نافع عن ابن راهويه وابن خزيمة أنه مدرج من قول ابن عمر كما أشار إليه البخاري وأيده برواية مالك.
فخلاصة القول في ذلك: أن نهي المحرمة عن النقاب والقفاز لم يصح رفعه إلى الرسول - ﷺ - والصحيح وقفه على ابن عمر.
_________________
(١) وانظر عمدة القاري ١٠/ ٢٠٠، عون المعبود ٥/ ١٩١.
[ ٢٠٦ ]
ويؤكد ذلك عدة أمور:
(١) لو كان النهي عن الانتقاب من قول الرسول - ﷺ - لنصت عليه عائشة ﵂ ولكنها عبرت عنه بالبرقع فقالت فيما صح عنها مما رواه الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة ﵂ قالت (تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع والمتورد بالعصفر) (^١) وقالت في رواية البيهقي "ولا تتبرقع ولا تلثم".
ولذلك قال ابن المنذر (ت: ٣١٩ هـ) في الإشراف على مذاهب العلماء (٣/ ٢٢١):
أما البرقع والنقاب - للمحرمة- فمكروه، لأن كراهية ذلك ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة".اهـ
فلو كان النهي نهي رسول الله - ﷺ - لكان مرجع النهي إليه ولم ينسب النهي والكراهة إليهم.
(٢) أنه لم يرد النص على تسمية ما تغطي به النساء وجوههن؛ نقاب (^٢) على عهد النبي - ﷺ - في حديث صحيح.
_________________
(١) قال ابن تيمية في شرح العمدة ٣/ ١٠١ رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.
(٢) قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (ت ٣٢١ هـ) في جمهرة اللغة (١/ ٣٧٥): والنقاب: نقاب المرأة إِذا رفعت المقنعة على أنفها، وفي فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) (ص/ ١٤٢): "عن الفراء" إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينيها فتلك الوصوصة. فإذا أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب. وفي المحكم لأبي الحسن ابن سيده المرسي (ت ٤٥٨ هـ) (٦/ ٤٥٣): والنقاب: القناع على مارن الأنف.
[ ٢٠٧ ]
ويؤكد ذلك ما أُثر عن محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث) كما في غريب الحديث لأبي عبيد بن سلام (٤/ ٤٦٣) قال: حديث محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث)، النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه المحجر، والذي أراد محمد أن يقول إن إبداءهن المحاجر محدث؛ وإنما كان النقاب لاحقا بالعين أو أن يبدوا إحدى العينين والأخرى مستورة، عرفنا ذلك بحديث يحدثه هو عن عبيدة أنه سأله عن قوله عز وعلا ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال فقنع رأسه وغطى وجهه وأخرج إحدى عينيه وقال هكذا. فإذا كان النقاب لا يبدو منه إلا العينان فقط فذلك الوصوصة واسم ذلك الشيء الوصواص وهو الثوب الذي يغطى به الوجه. قال وإنما قال هذا محمد لأن الوصاوص والبراقع كانت لباس النساء ثم أحدثن النقاب بعد ذلك. اهـ
فالذي ينبغي أن تحمل عليه الآثار الواردة في نهي المرأة المحرمة عن البرقع والنقاب؛ أن المراد هو عدم تكشفها بالشد على وجهها وإبداء شيء من وجهها، بل يجب عليها حال إحرامها أن تكون أكثر تسترا بإسدال الثوب على وجهها كله دون كشف للعينين ولا لغيرهما، يشهد لذلك ما صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال " تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله". (^١)
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٤ (١٥٧٢٤) بإسناد متصل ورجاله ثقات، والقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة.
[ ٢٠٨ ]