ثانيا: أن هذا القول ليس وليد هذا العصر؛ بل هو حكم شرعي مبني على "أصل ثابت" وهو ما أُثر عن ابن عباس - ﵁ - في تفسير آية إدناء الجلابيب: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة). (^١) وقول الشيخ الألباني في رده المفحم أنه من (الآثار الواهية) لعلّتين لم يذكرهما فيه وإنما أحال القارئ إلى كتابه (جلباب المرأة) لا يصح؛ فإن هاتين العلَّتين لا تقدح في صحة هذا الأثر، ولا تصل به إلى درجة القول بأنه من الآثار الواهية!!
قال الشيخ الألباني في الموضع المشار إليه من كتابه جلباب المرأة (هامش ص ٨٨): (لا يصح هذا عن ابن عباس، لأن الطبري رواه من طريق علي عنه، وعلي هذا هو ابن أبي طلحة وهو مع أنه تكلم فيه بعض الأئمة، لم يسمع من ابن عباس، بل لم يره، وقد قيل: بينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر؛ فهو متصل، لكن في الطريق إليه أبو صالح، واسمه عبد الله بن صالح، فيه ضعف) اهـ
والجواب على هاتين العلّتين بالآتي:
العلّة الأولى؛ علة الانقطاع بين علي وابن عباس تندفع بما قيل بأن بين علي وابن عباس؛ مجاهد، وهذا ما صرح به الشيخ الألباني نفسه فقال (وقد قيل
بينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر فهو متصل)
_________________
(١) صحح هذا الإسناد ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٢٧١)، والسيوطي في الإتقان (٢/ ٥)، وحسّنه حكمت بن بشير في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤).
[ ٨٢ ]
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٨٩): وحملنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن كان لم يلقه لأنها في الحقيقة عنه عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١١٠): "وعلي يقال لم يسمع من ابن عباس لكنه إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه مجاهد وغيره وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم وغيرهما في التفسير". وقال في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): " قالوا لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وسعيد بن جبير عنه. قلت بعد أن عرفت الواسطة وهي معروفة بالثقة حصل الوثوق به".اهـ.
فهذه شهادة باتصال تفسيره إلى ابن عباس.
أما قول الشيخ الألباني أن علي بن أبي طلحة " قد تكلم فيه" فهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه؛ فقد روى عنه الثقات وخرج له مسلم، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في ثقاته، وعدّه الدارقطني في كتابه (ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم).
وقال الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٣/ ٥٤١): قال بعد أن ساق حديثا في إسناده علي بن أبي طلحة: وسائر من في هذا الإسناد لا يسأل عنهم. . . فإن علي بن أبي طلحة ثقة.
[ ٨٣ ]
قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٥/ ١٦٣): روى معاوية بن صالح عنه عن ابن عباس تفسيرا كبيرا ممتعا.
قال الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): وقد اعتمد البخاري في أكثر ما يجزم به معلقا عن ابن عباس في التفسير على نسخة معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة هذا.
العلّة الثانية: وهي قوله عن عبد الله بن صالح "فيه ضعف" وهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه، إذ أن حديثه لاينزل عن رتبة الحسن:
- قال عمر الوادياشي الأندلسي في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (٢/ ٢٥٣) منكرا على ابن حزم تضعيفه له فقال: وقد روى عنه ابن معين والبخاري وقال أبو زرعة حسن الحديث.
- قال الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٤/ ٦٧٨): والحديث من أجله حسن، والرجل من أهل الصدق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه، لكنه مختلف فيه.
- وقال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ١٢٢): " قلت وقد روى عنه البخاري في الصحيح، على الصحيح، ولكنه يدلسه، يقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه، وهو هو وفي الجملة ما هو بدون نعيم بن حماد، ولا إسماعيل بن أبي أويس، ولا سويد بن سعيد، وحديثهم في الصحيحين ".
[ ٨٤ ]
- وفي تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٦ - ٢٢٨): قال أبو حاتم الرازي سمعت أبا الأسود النضر بن عبد الجبار وسعيد بن عفير يثنيان على كاتب الليث وقال أبو حاتم أيضا سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول أبو صالح ثقة مأمون وكان ابن معين يوثقه وقال أبو حاتم ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب كان رجلا صالحا وقال سألت أبا زرعة عنه فقال لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب وكان حسن الحديث، وقال أبو هارون الخريبي ما رأيت أثبت من أبي صالح قال وسمعت يحيى بن معين يقول هما ثبتان ثبت حفظ وثبت كتاب وأبو صالح ثبت كتاب وقال ابن القطان هو صدوق ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه إلا أنه مختلف فيه فحديثه حسن (^١). اهـ
* فإذا كان هذا رأي الذهبي، وأبي حاتم، وابن القطان، وابن عدي، وأبي زرعة، وابن معين، وأبي هارون الخريبي، وعبد الملك بن شعيب؛ فكيف يرد حديثه؟! فهو ليس بأكثر ضعفا من ابن عقيل، وابن لهيعة وقد استشهد بهما الشيخ الألباني وقال "حديثهما حسن للخلاف المعروف فيهما" كما سيأتي ذلك لاحقا!
[ ٨٥ ]
* ولذلك فإن هذه الرواية تعد من الروايات المقبولة والمعتبرة عند المفسرين والمحدثين:
- قال قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه.
وقال في موضع آخر منه (٤/ ٢٣٧): وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي، عنه قال أحمد بن حنبل" بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا" وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا بوسائط بينهم وبين أبي صالح. اهـ
- كما قال الحافظ ابن حجر في كتابه العجاب في بيان الأسباب (١/ ٢٠٣ - ٢٠٧) بعد أن عدَّ الذين اعتنوا بجمع التفسير: والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس وفيهم ثقات وضعفاء؛ فمن الثقات:
[ ٨٦ ]
١ - مجاهد بن جبر ٢ - ومنهم عكرمة ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة. اهـ
- وكان ابن حجر نفسه يصحح هذه الرواية ويحتج بها؛ فقد قال في فتح الباري (١٣/ ٢٧١): وأخرج الطبري بسند صحيح عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال الأب ما تنبته الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس وأخرج عن عدة من التابعين نحوه ثم أخرج من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بسند صحيح. اهـ
قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات إلا أنها منقطعة وذكر أن الواسطة بين علي وابن عباس؛ مجاهد بن جبير المكي، وهو إمام كبير ثقة ثبت، وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في "الجامع الصحيح" أوردها في مواضع عديدة من كتاب التفسير معلقة. ومن الذين اعتمدوا على هذه الرواية جمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ
فإذا كانت هذه الرواية قوية محتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، فلا وجه للطعن في هذا الأثر، فإنه يعد من الآثار الثابتة التي يحتج بها.
[ ٨٧ ]