قال ابن عباس" يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال
رسول الله - ﷺ - وتقولون قال أبو بكر وعمر" (^١)
فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما هما فما ظنك بقوله لمن يعارض سنن الرسول - ﷺ - بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ويجعل قوله معيارًا على الكتاب والسنة فما وافقه قبله، وما خالفه رده أو تأوله فالله المستعان.
وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور: ٦٣ ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته ثم بعد ذلك يقلد سفيان أو غيره، ويعتذر بالأعذار الباطلة؛ إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد والاجتهاد انقطع منذ زمان، وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني فهو لا يقول إلا بعلم، ولا يترك هذا الحديث مثلًا إلا عن علم، وإما بأن ذلك اجتهاد ويشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بكتاب الله عالمًا بسنة رسول الله - ﷺ - وناسخ ذلك ومنسوخه، وصحيح السنة وسقيمها، عالمًا بوجوه
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه (٤٣١) بلفظ: قال ابن عباس" أما تخافون أن تُعذَّبوا أو يخسف بكم؛ أن تقولوا قال رسول الله وقال فلان" ورجاله ثقات غير أن سليمان التيمي أرسله عن ابن عباس.
[ ٢٤ ]
الدلالات، عالما بالعربية والنحو والأصول، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر ﵄، كما قاله المصنف، فيقال له: هذا إن صح فمرادهم بذلك المجتهد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطًا في جواز العمل بالكتاب والسنة فكذب على الله، وعلى رسوله - ﷺ - وعلى أئمة العلماء. بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه.
قال الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
فبذلك أمرنا ربنا ﵎ ونبينا - ﷺ - وأجمع على ذلك العلماء قاطبة، إلا جهال المقلدين وجفاتهم، وقد وقع في هذا التقليد المحرم خلق كثير ممن يدعي العلم فتجده جامدًا على أحد هذه المذاهب ويرى الخروج عنها من العظائم، وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل
بلوغ الحجة لا يذم، إنما المذموم المنكر الحرام الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم وينكر الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - والإقبال على تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فإنما يقرؤون تبركًا لا تعلمًا وتفقهًا! وعلى هذا: فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد من العلماء كائنًا من كان، ونصوص الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي لا دليل فيها يرجع إليه من كتاب
[ ٢٥ ]
ولا سنة، وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه. والأئمة ﵏ لم يقصروا في البيان.
سئل أبو حنيفة إذا قلت قولًا وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول الرسول يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول - ﷺ -، قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة.
وروي البيهقي في السنن عن الشافعي أنه قال: إذا قلت قولًا وكان عن النبي - ﷺ - خلاف قولي فما يصح من حديث رسول الله - ﷺ - أولى فلا تقلدوني.
وقال مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -.
وكلام الأئمة مثل هذا كثير، لكن المقلِّدين خالفوا ذلك وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية، سواء كان صوابًا أم خطأ مع أن كثيرا من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالًا لهم منصوصًا عليها وإنما هي تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم. (^١)
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب/٤٨٢ - ٤٨٨.
[ ٢٦ ]
:: مناقشة البحوث::
[ ٢٧ ]