استشهد الشيخ الألباني في هذا المبحث بما أخرجه أبو داود عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت عليها وعندها النبي - ﷺ - في ثياب شامية رقاق فضرب رسول الله - ﷺ - إلى الأرض ببصره قال: (ما هذا يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه). (^١) وذكر شاهدا له أخرجه البيهقي عن أسماء بنت عميس أنها قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة بنت أبي بكر ﵂ وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله - ﷺ - قام فخرج، فقالت لها عائشة تنحي فقد رأى رسول الله - ﷺ - أمرا كرهه، فتنحت فدخل رسول الله - ﷺ - فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: " أولم تري إلى هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا " وأخذ بكفيه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. (^٢)
_________________
(١) البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٧٥) وقال: إسناده ضعيف. قال الشيخ الألباني: حسن في الشواهد "علّته ابن لهيعة". وهم بعضهم فصوّب (بكميه) بدل (بكفيه) والصواب كما وردت (بكفيه) يشهد له ما ورد في أدب النساء لعبد الملك بن حبيب (ت ٢٣٨ هـ) (ص: ٢١٦) (وأمسك بكفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه).
(٢) أبو داود (٤١٠٤) وقال: هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة.
[ ٣٥٢ ]
وشاهد آخر عن قتادة أن النبي - ﷺ - قال: "إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل" ثم قال: وهو مرسل صحيح يتقوى بما بعده!!
أولا: لابد أن نشير إلى ما تجلى في هذا المبحث من عدم إنصاف الشيخ الألباني غفر الله له بتضعيفه لحديث ابن عباس الذي فيه العين الواحدة وأثر عبيدة السلماني، ويتبين ذلك بالآتي:
(١) استشهاده بحديث عائشة؛ رغم ضعفه لأربع علل في إسناده:
قال الحافظ ابن القطان في أحكام النظر (ص: ٢٠٥): هذا حديث ضعيف؛ لأن سعيد بن بشير يضعف برواية المنكرات عن قتادة، وإن كان قد شهد له سبعة بالصدق، وابن عيينة بالحفظ، ولكنهم مع ذلك يضعفونه. وخالد بن دريك لم يدرك عائشة. قاله أبو داود، فالحديث منقطع. وزاد في كتابه بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٦): وخالد بن دريك، فإنه مجهول الحال.
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٧٥): وهو معلول من أوجه: بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. (^١)
أحدها: الطعن في سعيد بن بشير لا سيما في روايته عن قتادة.
ثانيها: أن خالد بن دريك مجهول الحال. كذا قال ابن القطان. (^٢)
_________________
(١) البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٧٥) وقال: إسناده ضعيف. قال الشيخ الألباني: حسن في الشواهد "علّته ابن لهيعة". وهم بعضهم فصوّب (بكميه) بدل (بكفيه) والصواب كما وردت (بكفيه) يشهد له ما ورد في أدب النساء لعبد الملك بن حبيب (ت ٢٣٨ هـ) (ص: ٢١٦) (وأمسك بكفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه).
(٢) قال ابن الملقن: وهو وهم منه فقد وثقه النسائي وغير واحد، وقد قالَ هو في كتابه أحكام النظر: خالد بن دريك رجل شامي عسقلاني مشهور يروي عن ابن محيريز. اهـ قلت لكن ابن القطان لم يقل إنه مجهول العين حتى ينكر عليه بما قاله في كتابه أحكام النظر، ولعل توثيق من وثقه لم يخرجه عنده من حد الجهالة، ولم ينكره عليه الذهبي في كتابه (الرد على ابن القطان في كتابه الوهوم والإيهام).
[ ٣٥٣ ]
ثالثها: أنه مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة وأراد به الانقطاع.
رابعها: أنه مضطرب قال ابن عدي: لا أعلم يرويه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال فيه مرَّةً: عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عن عائشة. قال ابن القطان في كتابه (أحكام النظر): فهذه زيادة علة الاضطراب. (^١)
ورغم هذه العلل في الحديث فهو مع ضعف سعيد بن بشير، منقطع، وفيه اضطراب، وفيه مجهول الحال! إلا أن الشيخ الألباني لم يمتنع من الاحتجاج به وتقويته بالشواهد، في حين أنه أنكر على مخالفيه احتجاجهم بحديث ابن عباس مع أن علتي حديث ابن عباس كما بينّاها هي خفّة في ضبط راويين لا تخرجه من دائرة الحديث الحسن وله شواهد منها شاهد صحيح عن عبيدة!!
(٢) قال الشيخ الألباني بعد أن ساق عبارات التعديل لسعيد بن بشير: (أنها لا تدل على أن سعيدًا هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به، بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه، فهي على الأقل تدل على أنه يعتبر ويتقوّى به، وهذا ما صرّح به الزيلعي، فقال وأقلّ أحوال مثل هذا أن يستشهد به"اهـ
فكيف يرد حديث "عبد الله بن صالح" الذي قال فيه الحافظ ابن القطان:
_________________
(١) وانظر نصب الراية للزيلعي ١/ ٢٩٩.
[ ٣٥٤ ]
الرجل من أهل الصدق ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه لكنه مختلف فيه، فحديثه حسن) (^١)؟!! وهل يعد سعيد بن بشير الذي قال عنه ابن حجر في التقريب (١/ ٢٣٤): "ضعيف" أمثل من علي بن أبي طلحة الذي قال عنه (١/ ٤٠٢): "صدوق قد يخطئ"! وهذا ما صرح به يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٦٥): فقال عن علي بن أبي طلحة "وهو أمثل من سعيد بن بشير".
(٣) قال الشيخ الألباني: إن سعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في "المراسيل" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة، فيكون إسناده مرسلًا صحيحًا، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في "التقريب": "ثقة ثبت" وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد فقد رجحنا رواية قتادة المرسلة لقوة إسنادها اتباعًا لعلم الحديث، وإن كنا نعتقد أن ذلك لا يوهن من حجتنا شيئًا لأن كلًا من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متنا!
فيقال إن كلًا من؛ حديث ابن عباس وهو أصح إسنادا من حديث عائشة، وأثر عبيدة وهو أصح إسنادا من معضل قتادة؛ تؤيد الأخرى متنا؟!! فقد وافق ابن عباس عبيدة السلماني عند الطبري بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين عنه، وعبيدة من كبار التابعين قال الذهبي: عبيدة بن عمرو السلماني الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابيًا، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، قال العجلي: كل شيء روى
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٤/ ٦٧٨).
[ ٣٥٥ ]
محمد عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي بن أبي طالب قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي. (^١) اهـ فكيف يُرمي بالضعف إسنادا قال عنه أهل الحديث إنه من أصح الأسانيد، وقد وافقه عليه ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وسعيد بن جبير (يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) بل ووافقه ما احتج به الشيخ الألباني وصححه عن قتادة (أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) ولذلك احتج به جمهور أهل العلم واعتمد عليه أهل التفسير وعملت به الأمة، وظاهر القرآن يؤيده فلا وجه للطعن فيه فهو الذي ينبغي أن يكون حجة باتفاق لا خلاف فيه كما قال ابن تيمية: "والمرسل في أحد قولي العلماء حجة كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين، وفي الأخرى حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر.
(٤) نقل الشيخ الألباني قول ابن تيمية: (وإذا كان الحديث جاء من جهتين وقد علم أن المُخْبِرَين لم يتواطآ على اختلاقه، علم أنه صحيح لاسيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهما النسيان أو الغلط. وذكر نحو هذا الحافظ العلائي وزاد: "فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن لأنه يزول عنه حينئذ ما يخاف من سوء حفظ الرواة ويعتضد كل منهما بالآخر" قال ابن تيمية: وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠، تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٧، تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨).
[ ٣٥٦ ]
المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي). اهـ فلم لا يُعمِل هذا الأصل النافع مع حديث ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) فيقويه بما صح عن عبيدة (فتقنع به وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) وسعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) وقتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب).
قال النووي في التقريب (ص/ ٣٠): إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط، مشهورًا بالصدق والستر فروي حديثه من غير وجه قوي وارتفع من الحسن إلى الصحيح، والله أعلم.
ـ قال محمد جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث (١/ ١٠٢): إعلم أن الحسن إذا روي من وجه آخر، ترقى من الحسن إلى الصحيح، لقوته من الجهتين فيعتضد أحدهما بالآخر.
وبذلك يتبين خطأ ما رمى به الشيخ الألباني أثر ابن عباس من الضعف، ووقوع فيما أنكره على مخالفيه بقوله: (وخالفوا علماء الحديث تأصيلًا، وهو تقوية الحديث بالطرق والشواهد فإن هذا من أصولهم التي يتفرَّع منها تقوية بعض الأحاديث التي ليس لها سند صحيح يحتج به، فمن كان جاهلًا بهذا الأصل وبطرق الحديث والشواهد وقع فيما وقع فيه هؤلاء من تضعيف هذا الحديث الصحيح)
[ ٣٥٧ ]
فها هو قد خالف علماء الحديث تأصيلا، فضعّف حديث ابن عباس رغم أن له شواهد صحيحة يعتضد ويتقوى بها!!
ثانيًا: قوّى الشيخ الألباني ما استشهد به من حديث عائشة وأسماء بنت عميس وقتادة؛ بما عدّه موافقة لها من رواتها بالقول أو بالفعل؛
١) فذكر عن عائشة ﵂ قولها "المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت" على أنها تريد بقولها "إن شاءت " تخيير المحرمة بين الكشف أو السدل!!
وسبق أن بينا في مناقشة البحث الخامس أن المراد بقولها "إن شاءت" هو إطلاق سبب التغطية؛ أي متى أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها ولا ترفعه من أسفل لتتبرقع به وتتلثم، أي وإن لم يكن هناك سبب من وجود رجال أجانب وعليه بعض الأئمة، وقال بعضهم إن المحرمة لا تغطي وجهها إلا للستر من الرجال الأجانب وأن عليها الفدية إن غطته لغير هذا السبب. ومما يؤكد أنه لم يكن مقصود عائشة ﵂ التخيير؛ قولها " كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا من رأسها على وجهها" (^١) فلم تذكر هنا التخيير، ولا أن هناك من لم تكن تسدل!
_________________
(١) مسند أحمد (٢٤٠٢١) سنن أبي داود (١٨٣٣) حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٥٢) وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح (٢/ ٨٢٣).
[ ٣٥٨ ]
ومما يشهد أن الثابت من فعلها وقولها هو إيجاب تغطية الوجه قولها ﵂ (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن) (^١) وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه. وما كان منها في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي) (^٢) ولما خرج رسول الله - ﷺ - ليلا ليستغفر لأهل البقيع قالت (اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره) (^٣) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.
٢) ثم ذكر عن أسماء بنت عميس ما روي عن قيس بن أبي حازم قال: "دخلت أنا وأبي على أبي بكر وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي موشومة اليدين" وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن أسماء بنت عميس كانت أمة مملوكة اتخذها أبو بكر أم ولد له، وليست زوجة له من النساء الحرائر ولذلك لم تحتجب ومن أراد التفصيل فليرجع إليه.
٣) ثم ذكر عن قتادة قوله في تفسير قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: "أخذ الله عليهن أن يُقَنِّعنَ على الحواجب" على أن معنى ذلك شد الجلباب على الجبين دون تغطية الوجه! وسبق أن بينا مراد قتادة كما قال أئمة التفسير هو
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).
(٢) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٤ (٤٤٧٣) صحيح مسلم ٤/ ٢١٢٩ (٢٧٧٠).
(٣) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ (٩٧٤).
[ ٣٥٩ ]