أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة عن قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال فقال بثوبه فغطى رأسه ووجهه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.
وفي رواية أخرى لابن جرير: فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (^١)
وهذا الأثر مما اعتمد عليه جل أهل التفسير في تفسير آية إدناء الجلابيب، ولكن الشيخ الألباني حكم عليه بالضعف ولم يكن محقا في ذلك لما يأتي:
أولا: قال إنه مقطوع موقوف، والموقوف هو ما أسند إلى صحابي، والمقطوع هو ما أسند إلى تابعي، فكيف يجتمعان في الحكم على أثر واحد! وقد احتج الشيخ الألباني بأثر قتادة المقطوع "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب" قائلا: أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إليه، ورمي هنا أثر عبيدة بالضعف وقد أخرجه ابن جرير بسند صحيح إليه!!
_________________
(١) ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦، صحح إسناده أ. د حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ٤/ ١٤٤، تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥ ولفظه: فرفع ملحفة كانت عليه فقنع بها، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه واخرج عينه اليسرى من شق وجهه والايسر مما يلي العين.
[ ٣٠٢ ]
بل إن إسناده من أصح الأسانيد، رجاله كلهم جبال في الثقة والضبط؛ ولا أظن أن هذا مما خفي على الشيخ فهو عند ابن جرير في الموضع الذي أخذ منه الشيخ الألباني أثر قتادة وابن عباس ولكنه غفر الله له عزا هذا الأثر إلى السيوطي في الدر، ولم يعزه إلى ابن جرير الطبري!! علاوة على أن قتادة من صغار التابعين لم يرَ إلا عددا من الصحابة فجُلّ رواياته عن
التابعين. (^١) أما عبيدة السلماني فهو من كبار التابعين وأعلامهم (^٢)، ومخضرم ثقة ثبت، أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين ولم يره، نزل المدينة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - وعاصر الصحابة ولم يزل بها حتى مات؛ وبذلك فهو إنما يفسر ما كان سائدًا في المجتمع الذي كان يمثله أجلة الصحابة - ﵃ - وأكابر الأمة الذين نزل بينهم القرآن وعليهم مدار هذا الدين.
قال عنه ابن عبد البر: هو من كبار أصحاب ابن مسعود الفقهاء. (^٣) وقال الذهبي: عبيدة السلماني الكوفي الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابيًا، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، وقال العجلي؛ عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن
_________________
(١) وانظر تقريب التهذيب ١/ ٧٥.
(٢) قال النووي في التقريب (ص/ ٣٤): اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله كذا أو فعله يسمى مرسلًا. اهـ وقول عبيدة تفسير للآية بما كان عليه الصحابة على عهد رسول الله ﷺ.
(٣) الاستيعاب ٣/ ١٠٢٣.
[ ٣٠٣ ]
مسعود الذين يقرؤون ويفتون الناس، وقال ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشد توقيًا من عبيدة (^١).
وقد قال الإمام الذهبي في الموقظة في علم مصطلح الحديث (ص: ٣٩): فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء.
قال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي (ت ٦٢٤ هـ) في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٦): وليعلم أن المقطوع يقع عليه الوصفان، الصحة والضعف تبعا لحال إسناده ومتنه، ولا يلزم من صحته وجوب العمل به، إذا كان مجردا عن قرينة تدل على أن له حكم الرفع.
ولما كان أثر عبيدة هذا تفسيرا للآية بما كان سائدا ومعمولا به في مجتمع أكابر الصحابة الذين نزل عليهم القرآن الكريم؛ كانت تلك قرينة توجب العمل به وتدل على أن له حكم الرفع.
هذا علاوة على ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨) قال: قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي وقال العجلي: كل شيء روى محمد عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي بن أبي طالب وكل شيء روي عن إبراهيم عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن عبد الله بن مسعود. (^٢) اهـ
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠، تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٧، تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨).
(٢) وانظر معرفة الثقات للعجلي ٢/ ١٢٤.
[ ٣٠٤ ]
فهذه شهادة باتصال سند هذه الرواية حيث إنها تفسير منه للآية بما كان سائدا في مجتمع الصحابة وليست مما يقال بالرأي، وعليه فإن إسنادها يعتبر أصح الأسانيد كما قال ابن المديني وعمرو الفلاس، كما ثبت أن تفسير عبيدة للآية أخذه عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وإن لم يكن عن علي فهو عن عبد الله بن مسعود وهو أعلم وأفقه هذه الأمة بالقرآن.
وبذلك يكون قد اتفق على هذا التفسير لآية إدناء الجلابيب والذي يقتضي وجوب تغطية الوجه على النساء الحرائر؛ صحابيان: عبدالله بن عباس، وعلي بن أبي طالب - ﵃ -، وتفسير الصحابي حجة يجب العمل به فحكمه كحكم المرفوع إلى النبي - ﷺ -.
ثانيا: قال الشيخ الألباني (أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة) واستشهد بذكر سياق ابن تيمية لأثر عبيدة بالمعنى؛ على أنها رواية أخرى للأثر!! إلى قال (أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها) اهـ فيقال؛ إن الاضطراب الذي يسقط الاحتجاج بالأثر: هو ما روي على أوجه متعارضة متدافعة بحيث لا يمكن التوفيق بينها، وتكون متساوية في القوة بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى. (^١)
والروايات الواردة لأثر عبيدة ليس فيها تعارض ولا تدافع! وتفسيره للآية كان بفعل منه وليس بقول؛ ولذلك اختلف تعبير الرواة لهذا الفعل، فلا وجه
_________________
(١) انظر: تيسير مصطلح الحديث /١٤١.
[ ٣٠٥ ]
للطعن فيه بالاضطراب!! فإن كشف أي العينين لا يضر، فالأمر راجع للمرأة تكشف أيهما تشاء دون توسع في إظهار ما عداهما لأن الرخصة في إبداء العين إنما شرع لرؤية الطريق فقط.
كما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٨): والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل.
كما أن الشيخ الألباني قد أنكر في بحثه الثامن - كما سيأتي - على من طعن حديث عائشة بالاضطراب في متنه فقال: ثم ماذا يفيدك هذا الشغب في هذا الاختلاف المرجوح مع اتفاق الطرق الثلاث على ذكر الوجه، وهو الجانب الأهم من الاختلاف. . .؟! فيقال وماذا يفيد الطعن في أثر عبيدة وقد اتفقت رواياته على ما مفاده تغطية الوجه وهو الجانب الأهم من الاختلاف؟!
ثالثا: قال الشيخ الألباني أنه قد خالف تفسير ترجمان القرآن: ابن عباس ومن معه من الأصحاب؟! وهذا قول غير صحيح؛ فإن أثر عبيدة موافق لما صح عن ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية (أمر الله
نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وقول سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) بل وموافق لأثر قتادة الذي احتج به الشيخ الألباني (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) وتأمل هذه الموافقه: (فقنع بها، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين) (فتقنع به. . . وأدنى رداءه من
[ ٣٠٦ ]
فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) فأين المخالفة التي ذكر الشيخ الألباني غفر الله له؟!
قال حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤): أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة) فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. اهـ
فما وجه حكم الشيخ الألباني على أثر عبيدة بالضعف؛ وإسناده من أصح الأسانيد ووافقه عليه ابن عباس وقتادة وابن جبير!
إذن فلا وجه للطعن في هذه الرواية وقد احتج بها أهل العلم واعتمد عليها أهل التفسير وعمل بها الأئمة.
* أما الحديث الثالث الذي أنكر الشيخ الألباني الاستشهاد به فهو ما روي عن محمد بن كعب القرظي - ﵁ - في تفسير آية إدناء الجلابيب قال: (فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها) وهذه الرواية وإن كانت بنفس معنى قول ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ إلا أنه لضعف سندها لم يُعتمد
عليها في الاستدلال على وجوب تغطية الوجه، ومن ذكرها فإنما يسوقها في الشواهد على سبيل الاستئناس بها لا على سبيل الاعتضاد!! وسيأتي لاحقا استشهاد الشيخ الألباني بقول شيخ الإسلام ابن تيمية
[ ٣٠٧ ]
في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢٦) "فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضًا، حتى قد يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فُجَّارًا فساقًا ".
* أما الحديث الرابع: فقد أسهب الشيخ الألباني في تضعيف هذا الحديث؛ وهو لا يعد من الأدلة التي يستشهد بها على وجوب تغطية الوجه! لأنه رواية للحديث الأول الذي استشهد به الشيخ الألباني واحتج به (حديث المرأة الخثعمية)! ومن استشهد بهذه الرواية فإنما أراد بها تبرير كشف المرأة الخثعمية لوجهها، وقد بينا آنفا سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها وهو كونها من الإماء المملوكات ومن المتقرر شرعا كما أسلفنا في مناقشة البحث الخامس والسادس أن الحجاب (تغطية الوجه) واجب على الحرائر دون الإماء. فلا حاجة للاستشهاد بهذه الرواية صحيحة كانت أو ضعيفة.
[ ٣٠٨ ]